(أوصيك)

قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} [النساء:131].

روي أنَّ معاذ بن جبل رضي الله عنه، أراد سفراً، فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: «اعْبُدِ اللَّهَ وَلا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنِي، قَالَ: «وَإِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: «اسْتَقِمْ وَلْتُحَسِّنْ خُلُقَكَ» [رواه الطبراني]

لا زال الصَّلحاء والعقلاء والأدباء وخيار القوم يوصون من يحبُّونهم بخبراتِ حياتهم ونتائج تجاربهم، ولا زالوا يستوصون من يعتقدون صلاحه وفلاحه ليفيدوا من علمه وتقواه.

وإنِّي ذهبت إلى أصلح الصَّالحين وأكمل المتقين وخير خلق الله تعالى أجمعين، ذهبت إلى سيِّدنا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم أستوصيه، باحثاً في كُتُب الحديث الشَّريف عن بعض وصاياه لنا، فوجدت في كتابٍ اسمه: (الجامع الصَّغير من حديث البشير النَّذير) للإمام السُّيوطي، وهو كتابٌ جمع فيه مؤلِّفه عشرة آلاف حديث، لا يتجاوز أحدها السَّطر إلَّا نادراً. ورتبها ترتيباً ألفبائياً، وبعد كلِّ حديثٍ ذَكَرَ رَاوِيَه وحَكَم عليه.

وجدت في هذا الكتاب أحاديث مطْلَعُها كلمة (أوصيك)، أختار لكم منها ثلاثةً، الموصي فيها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والمخاطب بعد الصَّحابي أنت، فهل تقبل الوصيَّة؟!

 الحديث الأول: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِيَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا تَسْتَحِي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ مِنْ قَوْمِكَ» [رواه الطبراني].

قال الإمام المناوي لَمَّا شرح الحديث: (هذا أبدع بيانٍ، وأوجز تبيانٍ، إذ لا أحد إلَّا وهو يستحي من عمل القبيح عن أعين أهل الصَّلاح والفضل، فإذا استحيا من الله استحياءه من صالح قومه تجنب المعاصي).

-      الحديث الثاني: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُوصِيكَ أَنْ لَا تَكُونَ لَعَّانًا» [رواه أحمد والطبراني ].

فلا تكن لعاناً أو سباباً أو فحَّاشاً، بلْ كُن عفيف اللِّسان طاهره، لأنَّ لسان المرء يُفصح عن سرِّه، ومَن كان الحقُّ في سرِّه فالطُّهر في قوله، ومَن كان السُّوء في جوفه فالفحش في نطقه، وإنَّ لساناً تُحَرِّكه آيات القرآن يعفُّ عن الخنا والفحش.

 الحديث الثالث: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْإِسْلَامِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ رَوْحُكَ فِي السَّمَاءِ، وَذِكْرُكَ فِي الْأَرْضِ» [رواه أحمد].

قال المناوي: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ»، إنَّ الوصيَّة بالتَّقوى وإن قلَّ لفظها جامعةٌ لحقِّ الحقِّ والْـخَلْقِ، شاملةٌ لخير الدَّارين، إذ هي تجنب كلَّ منهيٍّ وفعلَ كلِّ مأمورٍ، «وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ» الزمه، «فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْإِسْلَامِ»، فإذا زهد الرُّهبان الدَّنيا، وتخلوا للتعبد فلا تخلِّيَ ولا زهدَ للمسلم أفضلُ من بذل النَّفس في سبيل الله، «وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ»، أي: الزمهما، فإن لزومهما «رَوْحُكَ» بفتح الرَّاء راحتك، «فِي السَّمَاءِ وَذِكْرُكَ فِي الْأَرْضِ» بإجراء الله ألسنةَ الْـخَلْقِ بالثَّناء الحَسن عليك، أي عند توفر الشُّروط والآداب.

تعالوا نجتهد ما استطعنا للعمل بوصايا النبي صلَّى الله عليه وسلَّم؛ نستعجل بذلك الفرج والمعونة... {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال:20].       

                                                                والحمد لله رب العالمين