أخلاقيات الطب  - الشيخ الطبيب محمد خير الشعال
الثلاثاء 23 أيلول 2014

أخلاقيات الطب

الأربعاء 27 ذو الحجة 1429 / 24 كانون أول 2008

المؤتمر العلمي السنوي السابع عشر                                                                          الجمعية السورية للأبحاث
   مشفى الأسد الجامعي                                                                                           وطب الفم الوقائي
26-27/11/2008       
محاضرة الدكتور محمد خير الشعال
أخلاقيات الطب

بسم الله الرحمن الرحيم
أبتي الحبيب :
تسألني إن كنتُ بحاجة إلى نقود، فأخبرك بأني عندما أخرج من المشفى سأحصل على لباس جديد وخمسِ قطع ذهبية ، حتى لا أضطر إلى العمل حال خروجي مباشرة، فلست بحاجة إذن إلى أن تبيع بعض ماشيتك، ولكن عليك بالإسراع في المجيء إذا أردت أن تلقاني هنا.
إني الآن في قسم معالجات تشوهات المفاصل والعظام ( orthopadie) بقرب قاعة الجراحة وعندما تدخل من البوابة الكبيرة، تعبر القاعة الخارجية الجنوبية وهي مركز الإسعافات الأولية  العامة ( poli klinik) حيث أخذوني بعد سقوطي، وحيث يذهب كل مريض أولَ ما يذهب لكي يعاينه الأطباء المساعدون وطلابُ الطب، ومن لا يحتاج منهم إلى معالجة دائمة في المستشفى تعطى له وصفته فيحصل بموجبها على الدواء من صيدلية الدار.
وأما أنا فلقد سجلوا اسمي هناك بعد المعاينة وعرضوني على رئيس الأطباء، ثم حملني ممرض إلى قسم الرجال، فمنحني حماماً ساخناً وألبسني ثياباً نظيفة من المستشفى، وحينما تصل ترى إلى يسارك مكتبة ضخمة وقاعة كبيرة حيث يحاضر الرئيس في الطلاب، وإذا ما نظرت وراءك يقع نظرك على ممر يؤدي إلى قسم النساء، ولذلك عليك أن تظل سائراً نحو اليمين، فتمر بالقسم الداخلي والقسم الجراحي مروراً عابراً.
فإذا سمعت موسيقى تنبعث من قاعة ما، فادخلها وانظر بداخلها ، فلربما كنت أنا هناك في قاعة النقة حيث تشنف آذاننا الموسيقى الجميلة ونمضي الوقت بالمطالعة المفيدة.
واليوم صباحاً، جاء كالعادة رئيس الأطباء مع رهط كبير من معاونيه، ولما فحصني أملى على طبيب القسم شيئاً لم أفهمه، وبعد ذهابه أوضح لي الطبيب أنه بإمكاني النهوض صباحاً وبوسعي الخروج قريباً من المشفى صحيح الجسم معافى.
إني والله لكاره هذا الأمر, فكل شيء هنا جميل للغاية ونظيف جداً : الأَسِرَّة وثيرة وأغطيتها بغاية النعومة والبياض كالحرير، وفي كل غرفة من غرف المشفى تجد الماء جارياً فيها على أشهى ما يكون، وفي الليالي القارسة تُدفأ كلُ الغرف وأما الطعام فحدّث عنه ولا حرج، فهناك الدجاج أو لحم الماشية يُقدم يومياً لكل من بوسعه أن يهضمه.
إن لي جاراً ادّعى المرض الشديد أسبوعا كاملاً أكثر مما كان عليه حقيقةً، رغبةً منه في التمتع بشرائح لحم الدجاج اللذيذ بضعة أيام أخرى ، ولكن رئيس الأطباء شك في الأمر وأرسله بالأمس إلى بيته بعد أن اتضح له صحةُ المريض الجيدة بدليل تمكنه من التهام دجاجة كاملة وقطعة كبيرة من الخبز وحده .
لذلك تعال يا أبتي وأسرع بالمجيء قبل أن تحمّر دجاجتي الأخيرة........

  • أيها الزملاء والزميلات:
    كانت هذه رسالة أرسلها مريض في مشفى عربي إلى أبيه قبل ألف سنة، عَثَرَت عليها المستشرقة الألمانية / زيغرد هونكه/ وأودعتها في كتابها                                        ( شمس العرب تسطع على الغرب).
    في الفصل الثاني من الكتاب التي تتحدث فيه عن المشافي، وعنونت للفصل بقولها     
    ( مستشفيات مثالية وأطباء لم يرَ العالم لهم مثيلا )
    الطب علم وفن ، موضوعهما علاج المرض أو منعه، وكلاهما أعني – العلم والفن- إن لم يحاطا بالأخلاق تحوَّل الأول: إلى سباق تسلُّح يدمر الكرة الأرضية عدداً من المرات،    وتحَّول الثاني: إلى سباق تهتُّك يزري بالبشرية لتهوي إلى مستوى الطبقة الدنيا من المخلوقات. من هنا كانت أهمية (( أخلاق الطب )).
     
    ولئن كانت البُرديات المصرية القديمة تحدثت عن أخلاق الطبيب، ولئن كان قَسَمُ أبو قراط الذي لا يزال يُقسم به – مع بعض التعديلات التي أدخلت عليه- حاوياً على شيء من آداب المهنة ، فإن المادية الساحقة في القرن الأخير أكَّدت ضرورة الحديث عن أخلاقيات الطب وأدب المهنة.
    وإليكم هذه الأنباء التي تكتب عنها بعض المجلات والجرائد العامة والمتخصصة.
    •  معمل أدوية يعلِّب خلطاته غير المطابقة لمواصفات وزارة الصحة ليرسلها لتباع في بعض دول العالم الثالث.
    • أطباء في مكاتب منظمة الصحة العالمية في بعض البلدان الفقيرة جداً يمارسون الفاحشة مع الفتيات لتقديم المساعدات الطبية لهن.
    • ممرضات يحقنَّ أطفالاً عرباً بالإيدز، ويُبَرَّأنَ أمام القضاء، ليرجعن إلى بلادهن آمنات مطمئنات.
    • طبيبة نسائية لا تتورع أن ترسل بكل مريضاتها الولاّدات إلى العملية القيصرية.
    • طبيب أسنان يقنع مريضه بـ الفل ماوث مع أن المريض فاقد لرحى الأولى العلوية اليسرى ومثلها في الفك الأسفل.
    • مريض يجري تحليلاً مخبرياً على العينة نفسها في أربع مخابر فلا تطابق نتيجةٌ أختها.
    • انتشار مافيا للشركات الدوائية في العالم.
    • تحليق طائرة جراحية مجهزة بغرف عمليات من دولٍ غنية إلى الدول الأشد فقراً ليصار إلى شراء أعضاء بشرية من أصحابها ببضع الدولارات ثم تعود الطائرات محملة بالغنائم إلى بنوك الأعضاء.
    • طبيب قتل سبعين من مرضاه قتل الرحمة ثم اكتُشِفَ أمره وحوكم.
    • مستشفى ذات رفاهية عالية  لا تستقبل حالات الإسعاف حتى ولو كانت في الرمق الأخير إلى أن يتم تسديد الفاتورة الباهظة جداً.
    • سماسرة عيادات طب الأسنان يرفعون نسبة السمسرة إلى 50% وبعض الأطباء يوافقون.
    • الإعلانات لعيادات الأطباء في جرائد الإعلان ، تذكر فروع الاختصاص وجزئياته مجارية إعلانات المحلات التجارية التي تذكر أنواع البضائع والسلع.
    • مشافي غزة يُقطع عنها الكهرباء والوقود ويموت الأطفال و مرضى العناية الفائقة على مرأى من العالم ومسمعه.
    كل هذه الأنباء – وهي عينة مختارة- تؤكد ضرورة الحديث عن ( الأخلاق في الطب وفي غير الطب) ذلك لأن الأمر كما قالوا في الأدب:
    إنـما الأمم الأخلاق مـا بقيت              فـإن همُ ذهبت أخلاقُهم ذهبوا
    فأقول:
     أسس أخلاقيات الطب ستةٌ: 
    1-  النفع وتقديم الفائدة
    2-  عدم الإضرار.
    3-  المحافظة على السر
    4-  الـعـدالة
    5-  الاستقلالية والذاتية
    6-  المسؤولية الطبية

 أولاً: الـنفع وتـقديم الـفائـدة:
مبنى العمل الطبي عموماً على نفع الناس وتقديم الفائدة لهم والإحسان إليهم فالطبيب الذي يوقف المرض أو الذي يساعد في المحافظة على تقوية الصحة يقدم نفعاً وفائدة لمرضاه.
طبيب الأسنان الذي يساعد في تحسين الناحية الجمالية أو الناحية الوظيفية للأسنان إنما يقدم فائدة ونفعاً لمرضاه .
وبالمناسبة حجم الإنسان عموماً على هذه الأرض بحجم النفع الذي يقدمه للآخرين، وكلما كان هذا النفع أكثر وأكبر وأطول استمراراً كانت قيمة هذا الإنسان أعلى وأغلى وأرفع، والعكس بالعكس.
ثانياً: عدم الإضرار:
يقولون:
إذا لم تنفع فلا تضر، وهذه قاعدة شرعية وقانونية وحياتية.
وهي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا ضرر ولا ضرار ))
ومطلوب في أخلاقيات الطب من الطبيب عدم الإضرار بمرضاه ، ويندرج تحت هذه القاعدة فروع ينبغي الوقوف عندها:
 الفرع الأول:
(  الضرر يُزال  )
لو أن طبيباً كان يجري عملية قلع لرحى علوية أخيرة وفي أثناء عمله انزلق (الألفاتور) ليوقع جرحاً عميقاً في الميزاب الدهليزي أو في قبة الحنك، فمطلوب من الطبيب أن يزيل هذا الضرر الذي لحق بالمريض من جراء العمل ، لأن القاعدة تقول الضرر يُزال. 
 الفرع الثاني:
( يتحمل الضرر الأقل لدفع الضرر الأكبر )
لعل مبنى العمل الطبي عموماً قائمٌ على هذه القاعدة ، يتحمل الضرر الأقل لدفع الضرر الأكبر.       
  فتحضير دعامات سنية لاستقبال الجسر الدائم الجديد ، يحتملُ إيقاعَ ضرر بهذه الدعامات، لكنه حملٌ لضررٍ أقل لدفع ضرر أكبر ينجم عن عدم التعويض من فقد للوظيفة والجمال وانسلال للأسنان المجاورة والمقابلة.
ومبدأ التمديد الوقائي هو أذية نلحقها بالسن لكنها تندرج ضمن هذه القاعدة بتحمل الضرر الأقل لدفع الضرر الأكبر.
وأي إجراء جراحي يمارسه الجراح يعرض الأنسجة المحيطة بالمنطقة إلى شق وقطع وربما قص وهذه كلها أضرار قليلة نتحملها لنرفع أضراراً جسيمة.
 الفرع الثالث:
( تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام )
فعندما يتم إتلاف كميات كبيرة أو قليلة من الأدوية لأنها غير مطابقة للمواصفات والمعيار الدوائي نكون قد ألحقنا ضرراً مادياً خاصاً بصاحب معمل الأدوية ، لكن القاعدة تقول  (  يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام )  فيما لو نزلت هذه الأدوية إلى الأسواق وتناولها عامة المرضى.
 ثالثاً: كتمان الـسر:
العلاقة الخاصة بين الطبيب ومريضه تطلعه على أسرار تخصّ المريض سواء في حالته الصحية أو في حالته العامة.
وإن الأدب العام والأدب الطبي  الخاص يدعو الطبيب إلى كتمان سر مريضه احتراماً له ورعايةً لشأنه ما لم يكن في كتمان السر ضرراً يفوق ضرر إفشاء السر.
فنعود مرة ثانية إلى القاعدة السابقة التي تدخل فيها عامة فروع الطب وهي:
تحمل الضرر الأقل لدفع الضرر الأكبر
فليس من كتمان السر – مثلاً – أن يخفي الطبيب حالة المريض الصحية الخطرة والحرجة عن أهل المريض، بل مطلوب منه أن يُعْلم أهل المريض بحالة مريضهم، وربما يرى الطبيب مصلحة في إعلام المريض نفسه بالأمر.
وفي بعض الأحيان يكون كتمان السر في حالة المريض الخاصة عن أهله وذويه مطلوباً والأمر راجع إلى الضرر الأقل والضرر الأكبر، ونحن نتحمل الضرر الأقل لندفع الأكبر.
وحفاظاً على كتمان السر لا يجوز لطبيب أن يعرض حالة مريض على سلايدات ونحوها في قاعات الدرس إلا بعد أخذ موافقة المريض صاحب الحالة أو إخفاء معالم المريض الدالة عليه. 
 رابعاً: الــعـدالة:
والمقصود بها التوزيع العادل للخدمات الصحية على امتداد مساحة الوطن بل على امتداد البسيطة والمعمورة، وهذا أملٌ تنشده أخلاقيات الطب لولا ما يعكره من تسلط لدولٍ غاشمةٍ ظالمة على شعوب مستضعفة ....
خلال السنة الأولى من الاحتلال الأمريكي للعراق دُمّرت 84% من جامعات العراق وهُجِّر أو قُتل 75% من الكادر التعليمي من أساتذة ومحاضرين .
ويمنع الاحتلال الإسرائيلي وصول الأدوية والأغذية إلى الفلسطينيين ، ويقصف من الجو والأرض سيارات الإسعاف وسيارات تحمل الحليب للأطفال.
العدالة في أخلاقيات الطب تدعو إلى تقديم الخدمة الصحية للناس عامة سواء كانوا فقراء
 أو أغنياء، أصحاب جاه أو بسطاء، أقارب أو أباعد..
  خامساً: الاستقلالية والذاتية:
والمراد بها أن لا يُعَرَّض المريض البالغ الراشد العاقل إلى إجراء طبي إلا بناءً على موافقته وقراره.إلا في حالات الإسعاف التي يغيب بها المريض عن الوعي أو يكون إدراكه فيها غير كامل، ويغيب عنه ذووه وأقاربه.
وينوب عن المريض في القرار إذا كان صغيراً أو غير عاقل وليُ أمره من أرحامه.
وبناء على هذا الأساس الخُلُقي في الطب لا يجوز إخضاع مرضى إلى دراسات دوائية أو علاجية أو جراحية إلا بعد أخذ إذنهم وموافقتهم.
ولعله من المناسب في حالات معينة أن تكون هذه الموافقة خطية يحتفظ بها الطبيب في سجلات المريض وإضبارته .


 سادساً: المسؤولية الطبية:
 يعتبر الطبيب مسؤولاً أمام المريض وأمام القانون وأمام رب العالمين عن كل إجراء يفعله، هذا وإن القوانين النافذة لا تُضمِّنُ الطبيب إذا تعرض مريضه لضرر إذا كان الطبيب يمارس اختصاصه ولم يُقصِّر ولم يتعد، أما لو قصَّر أو تعدى أو أنه عمل في غير اختصاصه فإنه
يضمن ويُحاسب . إن لم يكن في الدنيا فلا شك انه سيحاسب في الآخرة.

 خـتاماً:
قصة أوردتها مجلة أقلام ثقافية على موقعها الإلكتروني:
كنت طبيباً موظفاً لدى وزارة الصحة البريطانية في أحد المستشفيات في لندن في وظيفة أخصائي ثاني، وفي ذلك اليوم شعرت أنني أحتاج لاستشاري جراحة، فطرقت باب عيادة رئيس قسم الجراحين في المشفى الذي كنت أعمل فيه وهو لا يعرفني لأنني أعمل في قسم الباطنية، فتحت لي الممرضة فقدمت نفسي لها وأخبرتها برغبتي، وفور سماع المستشار الجراح لطلبي أتى إلى باب العيادة ورحّب بي وطلب من الممرضة أن تتركنا لوحدنا احتراماً لي ولخصوصيتي.
سمع مني الجراح قصة شكواي وبعد فحصه الدقيق شرح لي مشكلتي ورأى أنني احتاج إلى عملية جراحية بسيطة لإنهاء ما يؤلمني، عرض بأن يجري لي العملية صباح اليوم الثاني في تمام السابعة والنصف ، وقام فوراً بالاتصال بغرفة العمليات ووضع اسمي على قائمة جدول عملياته .
ودعني وشكرته على أن نلتقي ثاني يوم في غرفة العمليات.
كنت أسكن أنا وعائلتي ضمن مجمع سكن المستشفى، وفي اليوم الثاني في الساعة السابعة صباحاً، وإذا بجرس بيتي يرن ، فتحت الباب لأرى الجراح نفسه عند الباب ، سألني إن كنت جاهزاً، خرجت مع الجراح وجلست بجواره في سيارته وهو يقودنا إلى المستشفى، وفي غرفة التخدير كان ينتظرنا استشاري التخدير، وبعد التعريف بدأ وضعي تحت البنج العام.
صحوت من البنج لأرى الجراح وطبيب التخدير بانتظاري ليشرحا لي أن كل شيء تم على أحسن حال ، طلب مني الجراح أن أرتاح في مكاني لمدة ساعتين ليأتي بعدها للاطمئنان علي ، وفعلاً أتى وساعدني على الوقوف، عندئذ طلب مني أن أرتدي ثيابي لأذهب للبيت وفعلاً لبست وخرجت من المشفى وإذا بالجراح ينتظرني بسيارته ويصر أن أركب معه ثم قادني إلى منزلي وخرج من سيارته ليفتح لي باب السيارة، وأمسك بيدي حتى أوصلني إلى باب البيت ثم أسلمني لزوجتي وطلب منها أن تذهب بي إلى السرير لأكمل نومي وأعطاها أدويتي وبعض التعليمات الطبية، وودعنا وشكرنا هو على أنني سمحت له بأن يعالجني ويجري لي العملية.
كان الجراح يفوقني علماً ومنصباً وسناً بأكثر من خمس وعشرين سنة ولا هو من ملتي ولا جنسيتي. فيا ترى هل لا تزال الزمالة في مهنة الطب بين الطبيب والطبيب على هذه القيم والمبادئ والأخلاق .
قالوا الأدب صورة العقل فمن لا أدب له لا عقل له.


                                                              محـاضرة الدكتور محمد خير الشعال في
                                                              المؤتمر العلمي السنوي السابع عشر
                                                                  في مشفى الأسد الجامعي