الدعاء للأبناء - الشيخ الطبيب محمد خير الشعال
السبت 01 تشرين ثاني 2014


الدعاء للأبناء

السبت 29/03/1429هـ 05/04/2008م - 6446 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت جيدة mp3 3.49 MB 30:27 mp3 mp3
صوت جيدة rm 1.93 MB - rm rm
الدعاء للأبناء
يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم واهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليهم ملائكة غلاظ شداد لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴾[التحريم:6]
هذه هي الخطبة السادسة في سلسلة الأسرة والتربية ، ومرة أخرى نقول: نحن اليوم أحوج ما نكون إلى أسر تقوم بواجب التربية، كثير من الآباء وكثير من الأمهات يهتمون بالتغذية، وينسون التربية، والتغذية هي عطاء من رب العالمين، لكن التربية هي مسؤولية كل أب وكل أم فينا ﴿ وقفوهم أنهم مسؤولون ﴾ [الصافات:24] كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته) نحن اليوم أحوج ما نكون إلى أسر تقوم بواجب التربية، لذلك كانت هذه السلسة الأسرة والتربية، وهذه هي الخطبة السادسة فيها. تحدثنا عن أهمية الأسرة، وعن أهمية التربية، وتكلمنا عن اختيار الزوج وأثره في التربية، وعن اختيار الزوجة وأثرهُا في التربية، وكانت خطبة الأسبوع الماضي عن النفقة الحلال وأثرها في التربية ، وعنوان خطبة اليوم: الدعاء للأبناء وأثره في التربية .
أيها الأخوة الكرام يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ وقال ربكم أدعوني أستجب لكم ﴾ [غافر:60] وقال: (أجيب دعوة الداع إذا دعان ﴾ [البقرة:76] وقال: ﴿ وادعوه خوفاً وطمعاً ﴾ [الأعراف:56] إن للدعاء أثراً كبيراً في حياة المسلم، وإن دعاء الآباء للأبناء، والمراد بالآباء الأب والأم وإن دعاء الآباء للأبناء له أثر كبير في صلاح الأبناء وتوفيقهم ذلك إن دعوة الأب والأم، لولدهما مستجابة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده ) والحديث عند الترمذي ، فكم رد الدعاء من شارد، وكم قرب الدعاء من بعيد، وكم أصلح دعاء الوالدين من فساد الأولاد، وهذا هو القرآن الكريم يعلمنا على لسان الأنبياء كيف ندعو لأولادنا، فسيدنا إبراهيم عليه السلام يدعو في سورة الصافات ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ [الصافات:100] يطلب الصلاح في أولاده، وعندما رفع مع إسماعيل الكعبة المشرفة دعا لأبنائه، فقال في أعظم لحظة في التاريخ، استغل تلك اللحظة ليدعو لأولاده، فقال: ﴿ ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ﴾ [البقرة:128] يا رب اجعل أولادي منقادين لك ، يا رب إجعل ذريتي طائعة مستجيبة لأوامرك ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم _ [تستمر الدعوة للأولاد] _ يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ﴾ [البقرة:129] كان من ثمرة دعوة هذا الأب لأولاده وذريته ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ﴾ أن بعث الله سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم فلقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنا دعوة أبي إبراهيم ) أبي إبراهيم دعا الله أن يبعث فيكم رسولاً منكم، فكنت أنا ـ يعني: سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم ـ دعوة أبي إبراهيم ، وهاهي امرأة عمران تدعو لإبنتها مريم في القرآن الكريم ﴿ إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت ربي إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ الأم تدعو لأبنتها ولذرية أبنتها ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ [آل عمرانك35 ،36 ،37،] نبتت البنت نباتاً حسناً وكان سبب هذا النبات دعوة أمها امرأة عمران ، وهذا هو سيدنا زكريا يدعو في القرآن الكريم لابنه، فيقول: ﴿ هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ﴾ [آل عمران:38] أريد أولادي أن يكونوا طيبين، أن يكونوا صالحين، أن يكونوا ناجحين خيرين، ويقول في سورة مريم ﴿ فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً ﴾ [مريم:5، 6] إنه طلب الولد المرضي من حضرة الله تعالى ، دعاء الأب لابنه لا يرد، وللدعاء أثر كبير ـ أيها الأخوة الكرام ـ في التربية، بل إن الله تعالى يعلّم كل المؤمنين أن يدعوا لأولادهم، ويقول لنا: إن أهل الجنة كانوا يدعون لأولادهم في الدنيا، ومن علامات أهل الجنة في الدنيا أنهم يدعون لأولادهم، فإذا شاهدت رجلاً كثير الصلاة، كثير الصيام، كثير الصدقات شاهدته محسناً في معاملاته المالية، وضم إلى ذلك دعاءه لأولاده، فاعلم أن هذا الأب من أهل الجنة ، قال الله تعالى في سورة الفرقان في وصف المؤمنين: ﴿والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا _ [يعني نحن وأولادنا] - للمتقين إماماً أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً ﴾ [الفرقان:74، 75] كل ذلك في القرآن الكريم ـ أيها الأخوة ـ تعليم لكل أب، وتعليم لكل أم أن يقتطع من دعائه جزءاً، لكي يدعو لأولاده، لأن صلاح الأولاد مرهون في إحدى أموره بدعاء الآباء، ولأن دعاء الآباء والأمهات له أثر كبير في تربية الأولاد .
ذكر أحد العلماء فقال : كنت في سفر، وكانت تأتيني من أحد أصحابي رسائل وكتب، وكنت أحب رسالة أحدهم، وأنتظرها من الحين إلى الحين، قيل له : لم ، قال : لأنه كان يصدر كتابه بقوله: أصلحني الله وإياك بما أصلح عباده الصالحين فإنه هو الذي أصلحهم ، الذي أصلح الصالحين ليس ذكائهم وليس غناهم ليست قوتهم ، الذي أصلح الصالحين هو الله مصلح الصالحين، فإذا أردت لأولادك الصلاح فسل مصلح الصالحين أن يصلح أولادك ، وكم أصلح الدعاء من فساد الأولاد، وإذا كان القرآن الكريم علمنا أن ندعو لأبنائنا، فإن سنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تعلّمنا أيضاً أن ندعو لأبنائنا .
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لابنته فاطمة، ولزوجها علي، يقول :( اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما) وكان يدعو للحسن والحسين: اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما) ، ودعا لعبد الله بن العباس، وكان طفلاً فقال : الله فقهه في الدين، وعلمه التأويل
ط فصار عبد الله عالم هذه الأمة ، ودعا لسيدنا أنس، ـ وكان ولداً ـ فقال :(اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته يقول أنس: فو الله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة، عنده من الأولاد والأحفاد ما يساوي المائة وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين ببركة دعاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، هذا وقد سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل أب ولكل أم، لكل زوج، ولكل زوجة أن يدعو لأولاده سنة مؤكدة في ثلاث مواطن، ومن ترك الدعاء في هذه المواطن فقد خالف السنة
• الموطن الأول : يسن لكل زوج سيصير أباً، ولكل زوجة ستصير أماً أن يدعو في ليلة العرس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا تزوج أحدكم امرأة فليقل: ( اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه ) والأولاد الصالحين من خير المرأة، والأولاد الفاسدين من شر المرأة، والرجل ( اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه ) والحديث عند أبي داوود .
• الموطن الثاني : الذي يسن لك سنة أكيدة أن تدعو لأولادك فيه، عند كل لقاء زوجي، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لو أن أحدهم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقنا، فيولد بينهما ولد فلا يصيبه الشيطان أبداً ) إذا قلت هذه الدعوة عند لقاءك بزوجتك ( بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقنا ) فقدر بينكما ولد لم يكن للشيطان أن يصيب هذا الولد إنها دعوة للولد منذ لقائك بأمه .
• الموطن الثالث : في أفراح الأبناء وأتراحهم، وفي عسرهم ويسرهم لأن دعاء الأب للابن مستجاب، وبه تزداد شحنة العاطفة، وتتمكن الرحمة والرأفة في قلبي الوالدين .
حدثني طبيب أستاذ جامعي من عائلة علم ودين ، أخ له على غير منوال العائلة، سيء الأخلاق، سيء العشرة، بعيد عن بيوت الله، بعيد عن الأدب، يقول الأخ الطبيب، أعيانا إصلاحه، وأضنانا رشاده، لم يستجب لنا في ترغيب ولا ترهيب، لم يستجب لنا في عنف ولا في لطف، فما كان من أبي إلا أن ذهب إلى العمرة وكنت معه، فرأيت أبي متعلقاً بأستار الكعبة حيناً، وبالملتزم حيناً أخر، رافعاً يديه نحو السماء، مستسلماً لله تعالى، ينادي ويجأر بالدعاء، ودموعه تغسل وجهه ، كان أبي يقول: إلهي وسيدي ولدي فلان أريده منك إلهي وسيدي ولدي فلان أريده منك، أريد سعادته وصلاحه في الدنيا وفي الآخرة ، يقول الطبيب وظل أبي يكثر الدعاء لأخي، ثم رجعنا إلى الشام، فما كان منا بعد أسابيع إلا أن رأينا أخي يخلو بنفسه في غرفته الخاصة يمكث وقتاًً ثم يخرج ، فتتبعناه لنرى ما يفعل، وإذا به يصير خالياً وحده ثم ساق الله له صديقاً دلّه على مجالس العلم والصلاح، والآن صار أخي سائراً في درب الصالحين ، إنه دعاء الوالدين للأولاد لا يرد .
شكا رجل ولده لأحد الصالحين فقال: إن ابني يعقني، فقال له الرجل الصالح استعين عليه بهذه الآية ﴿ رب أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن اعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وأني من المسلمين ﴾ الآية في سورة الاحقاف الآية رقم خمس عشر من لا يحفظ هذه الآية فليسجل رقمها استعن على ولدك بالآية رقم خمس عشر من سورة الأحقاف، قال: فكان الرجل يكثر الدعاء في هذه الآية، فأصلح الله له ولده ، فدعاء الوالدين أيها الأخوة له أثر كبير في تربية الأبناء، وفي ختام هذه الخطبة عندي ملاحظتان بالنسبة لكل أب، ولكل أم في دعاءهم لأولادهم
• الملاحظة الأولى أسِمعْ أولادك دعاؤك لهم : كم من أب يدعو لأولاده في السر لكنه لا يدعو لهم وهم إمامه، كم من أم تدعو لأولادها في صلاتها لكن لا تدعو لأولادها إذا جلست معهم، ولا تسمعهم صوت دعائها ، اعلم أيها الأب إن قولك في وجه ولدك وإمامه رضي الله عليك يا ولدي ، اسأل الله إن يفتح لك فتوح العارفين ، أسأل الله أن يحبك مع عباده الصالحين هذه الكلمات تسري في روحه ، هذه الكلمات تملئ قلبه براً لك، إن دعاؤك لإبنك أفضل من ألف شيخ يدعون لولدك، أسمعه صوت الدعاء، إن إلام عندما ترفع يدها إلى السماء، وتسمع ابنها صوت الدعاء، وتقول: اللهم إني راضية عن بنتي فلانة فارضَ عليها، هذه الكلمات تسري في روح البنت ، إن لك أيها الأب سراً عند ربك مع أولادك، وكلمة منك تساوي مائة كلمة من أكبر أولياء الله تعالى. الملاحظة الأولى: أسمع أولادك دعاؤك لهم.
• الملاحظة الثانية: إياك إياك إياك إن تدعو على أولادك : فان في دعاؤك عليهم شقاءٌ لهم وشقاؤهم لا يسرك. إحذري أيتها لأم أن تدعي على أولادك مهما أساؤوا، ومهما أخطئوا، فان دعاؤك عليهم سبب لشقائهم، وسبب لتعاستهم في الدنيا ولآخرة .
أسرة من حي الصالحية حدثني قريب لها يقول: كان في أحد أقربائه سوء خلق نحو أمه، أزعج أمه ذات يوم فضجرت منه الأم فرفعت يديها، وقالت: أخرج من البيت أسأل الله أن لا يرجعك إليّ إلا محمولاً وكان ذلك اليوم يوم جمعة، وصادف ساعة الإجابة، بعد ساعتين قُرع الباب على الأم فجاء الناس، وقد حملوا الولد إلى أمه، لأن سيارة دهسته فمات ، إحذري أيتها الأم أن تدعي على ولدك، فإن دعائَك عليه شقاء له في الدنيا وفي الآخرة .
جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك يشكو له عقوق ولده ،وقال: ولدي عاق، ولدي يغضبني، ولدي يزعجني ولدي لا يمشي في ممشاي من الخير، قال له عبد الله: أكنت تدعو عليه، قال أنت أفسدته بدعائك الولد يفسد إذا دعوت عليه أن يشقيه الله، فكيف يشقيه ؟ ... يصير مغضوباً، يصير سيء الأخلاق يصير يأكل مالَ الحرام هذا هو الدعاء ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تدعو على أنفسكم ولا تدعو على أولادكم ولا تدعو على أموالكم ولا تدعو على خدمكم لا توافق ساعة فينزل فيها إعطاء فيستجاب لكم ) لعل الساعة تكون ساعة إجابة، والحديث أخرجه أبو داوود .
وأخيرا أنا أتمنى على كل أب، وعلى كل أم أن يكثرا الدعاء لأولادهما، فان للدعاء أثراً كبيراً جداً في صلاح الأولاد ، ما من صالح، ما من موفق، إلا وقد نال حظاً كبيراً من دعاء الوالدين، فأولادكم أمانة عندكم أرجوكم أيها الإباء والأمهات أُدعوا لأبنائكم، حتى يضيع الجيل، ثم إني أتوجه إلى كل ابن فينا حتى يعلم أن سبب سعادته بدعاء أبيه وأمه، فاحذر أيها الولد إن يدعو عليك أبوك أو أمك، واجتهد أيها الابن وأيتها البنت في ساعة تجد فيها أمك راضية، تجد فيها أبوك راضياً، اجتهد إن تقول يا أبتِ أرجوك أُدعُ لي،أتوسل إليك أدعُ لي، فإن سعادتك مرهونة تلك الدعوة .



الحمد لله رب العالمين