أهمية التربية - الشيخ الطبيب محمد خير الشعال
الاثنين 22 كانون أول 2014


أهمية التربية

السبت 29/03/1429هـ 05/04/2008م - 1702 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت جيدة mp3 2.01 MB 17:32 mp3 mp3
أهمية التربية

يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل ﴿ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴾ [التحريم:6]
قال سيدنا علي رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: ( قوا أنفسكم وأهليكم )؛ يعني: علموا أنفسكم وأهليكم الخير ، وقال رجل من التابعين اسمه مقاتل، وهو من المفسرين في معنى ( قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ) قال: هي أن يؤدب المسلم نفسه وأهله، فيأمرهم بالخير، وينهاهم عن الشر.
أيها الإخوة والأخوات هذه هي السلسة الثانية على هذا المنبر، وهي سلسلة الأسرة والتربية، وهذه هي الخطبة الثانية من هذه السلسلة. كان عنوان خطبة الأسبوع الماضي: أهمية الأسرة، وعنوان خطبة اليوم: أهمية التربية .
التربية ـ أيها الأخوة ـ في اللغة تعني: الزيادة والنماء، وتعني النشأة والترعرع، وتعني الإصلاح وتولي الأمر، والتربية في الاصطلاح تعني: إنشاء الابن شيئاً فشيئاً، وإصلاحه حتى يبلغ حد الكمال والتمام،ٍ ولأهمية التربية سمى الله تعالى نفسه ربَّ العالمين، والرب مشتق من التربية، الله رب العالمين يعني: مربٍ للعالمين :
ربَّ يربي العالمين ببره ونواله أبداً إليهم واصل
تعصيه وهو يسوق نحوك دائماً مالكم تكن لبعضه تستاهل
ولأهمية التربية جعلها الله تعالى وظيفة من وظائف النبوة فقد قال الله تعالى عن مهمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ﴾ والتزكية هي التربية ﴿ يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ [الجمعة:2] ولأهمية التربية جعلها الله سبباً للفلاح في الدنيا وفي الآخرة، فقد قال الله تعالى: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ [الأعلى:14] يعني: من تربى، وقال في آية أخرى: ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ [الشمس:9] يعني: ربى غيره، الآية الأولى تقول: تزكى يعني: تربى بنفسه، الآية الثانية تقول: زكاها يعني: زكى نفس غيره، ربى نفس غيره، وأولى من تربيه هو ابنك وابنتك، وأولى من تربين ابنك وابنتك.
وبين يدي أيها الأخوة طائفة من الآيات، وأخرى من الأحاديث، وثالثة من أقوال المفكرين في أهمية التربية، وفي الإعتناء بالتربية، وفي الإصرار على التربية، ذلك لأن ابنك يحتاج إلى غذاء نعم، ويحتاج إلى كساء نعم، ويحتاج إلى مال نعم، لكنه إلى أب مربٍ أحوج من كل ذلك، ذلك لأن ابنك وابنتك تحتاج إلى طعام نعم، وتحتاج إلى شراب نعم، وتحتاج إلى صديقات نعم، لكن إلى أم مربية أحوج من كل ذلك، قال الله تعالى في قرآنه الكريم ﴿ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴾ هذه الآية تعلمك تربية، وقال ربنا: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ [النساء:11] وجزء من الوصية أن تعتني بتربية أولادك، قال الله تعالى: ﴿ وقفوهم إنهم مسؤولون ﴾ [الصافات:24] يوم القيامة ينادى قفوهم إنهم مسؤولون ، ومن جملة الأسئلة التي سيسألك الله عنها ، أن يسألك عن أولادك، وعن تربيتهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم )( ) هذا من باب التربية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لئن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع )( ) هذا أيضاً من باب التربية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما نحل والد ولداً أفضل من أدب حسن )( ) هذه أفضل تربية ، قال أحد القادة ( إنني أؤمن بقوة العلم، و أؤمن بقوة المال، أؤمن بقوة السلاح، ولكنني أؤمن أكثر بقوة التربية ) قال بعض أهل العلم: تربية المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة تربيته عنوان شقاوته وبواله وقال أحد المفكرين: ( كم ممن أشقى ولده بإدمانه، وترك تربيته، وإعانته على شهواته ) يزعم أنه يكرمه بالمال. وقد أهانه.وأنه يرحمه بما ورثه من جاه وقد ظلمه، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء والأمهات، فسد الأب والأم ففسد الأولاد، وأنشغل الأب والأم عن تريبة الأولاد ففسد الأولاد
ليس اليتيم من أنتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلاً
إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولاً
الأم تخلت عن تربية الولد، والأب مشغول طيلة النهار خارج البيت عن أولاده .
أيها الأخوة الكرام إن القضيب الخام من الحديد ثمنه 5 $ فإذا دخلت عليه عوامل التصفيه والتنقيه، وإزالة الشوائب والتصنيع غلا ثمن هذا القضيب، وهذه هي التربية تصفية، وتنقية، وإزالة للشوائب تصنيع للإنسان صناعة حسنة ، القضيب الخام من الحديد ثمنه 5 $ إذا دخلت عليه عوامل التصفيه هذه فصنع منه شكل حدوة حصان صار ثمنه 11$، فإذا ازدادت عوامل التصفية والتنقية والصناعة، فصنع على شكل إبر خياطة صار ثمنه 355$ فإذا ازدادت هذه العوامل صنع على شكا سكاكين صار ثمنه 2285$، فإذا صنع على شكل نوابض ساعات، وهي أدق أمور التصفية والتنقية، وإزالة الشوائب صار ثمنه 2250000$ ، الخمسة دولارات بالتربية والتصفية صارت 2250000$. أرأيتم إلى التربية؟!! كيف ترفع من قيم الأشياء ، إن التربية ترفع من شأن العبد المملوك لتجعله في مصافَّ الملوك .
أختم خطبتي بقصتين متعاكستين، تدلان على أهمية التربية، الأولى تلقَّى فيها الولد تربية عالية، فرُفِع ورَفَع به أهله، والقصة الثانية تلقَّى فيها الولد تربية سيئة، فهبط وهبط به أهله ، القصة الأولى تقول وهي تتحدث عن إمام كبير من أئمة المسلمين، اسمه: عبد الرحمن بن عمر الأوزاعي، هذا الأوزعي امام المسلمين هو مثل: الشافعي، والحنفي، ومالك، وأحمد ابن حنبل، يقولون: ولد في بعلبك في لبنان، ونشأ يتيماً فقيراً في حجر أمه، الولد فقير معدم لا أب له، لكنهم قالوا: ربته أمه تربية تعجز الملوك أن تربي أولادها مثل تربيته، ربته أمه تربية على فقره وضعفه وحاجته كان المتعين على من سمع كلمة من الأوزاعي أن يسجلها، لأن التربية رفعت الأوزعي، ورفعت أم الأوزعي التي ربت هذا الولد ، القصة الثانية منظومة شعراً :
إني لأذكر قصة عن ناشئ فاضت لدى تذكارها عبراتي
فعسى يرى الآباء فيها عبرة وتكون للأبناء خير عظاتِ
حكم القضاة على فتى بالموت إذ نفساً قتل ليفوز بالسرقاتِ
وأتوا به عند الصباح مكبلاً ما بين فرسان وبين مشاةِ
ودنوا به من آلةٍ حدباء قد نصبت لإعدام الأثيم العاتي
وتلو عليه الحكم وهو مروع تبدو عليه صفرة الأموات
سألوه قبل الموت عما تشتهي فأجاب هيا عجلوا بمماتي
لكنه بين الجموع رأى له أماً تنوح بأسوأ الحالات
فبكت وقالوا: دعوا الحزينة لحظة كيما أقبلها قبل وفاتي
فدنو بها منه، فقال: تشجعي يا أم فموتي لا محالة آت
مدي لسانك كي أقبله فهذي آخر اللحظات
مدت له منها اللسان ولم تدري بما للإبن من نيات
فدنا يقبلها ولكن صرخة منها دوت والناس في دهشات
نظر الجميع إلى الفتى فإذا به قطع اللسان وقال ذي الكلمات
لو لم يكن هذا اللسان مشجعاً لي في الجرائم ما فقدت حياتي
هذا إنتقامي منك ياأمي فلا لوم علي وهذه ثاراتي
إهمال تربية البنين جناية عادت على الآباء بالويلات
أيها الأخوة الكرام بعد كل ما سمعتم عن تربية أولادنا وبناتنا ، أيتها الأخوات الكريمات بعد كل ما سمعتن عن أهمية التربية، ما المطلوب منا في هذه الخطبة ؟ المطلوب منا في هذه الخطبة: أمران اثنان واحد للرجال، والثاني للأمهات للنساء
المطلوب من الرجال: أن يفرغ كل أبٍ فينا ساعة في كل يوم لأولاده، يطفئ التلفاز، ويوقف الطعام، ويخرج الخدم، ويجلس وحده مع الأولاد يكلمهم، ويمازحهم ويضاحكهم، يستمع إليهم، ويزرع فيهم خيراً. أولادك يحتاجون إلى أب، لم يعد الأولاد يحتاجون إلى مال، ولا إلى طعام، ولا إلى نماء في الثروات، يحتاجون إلى صوت يخرج من فم الأب، يقول لهم: رضي الله عنكم يا أولادي، أولادك أشتاقوا إلى صوتك، والتربية تقتضي أن تجلس معهم، على أقل تقدير المطلوب من الرجال أن يفرغ كل أب فينا ساعة من كل يوم لأولاده.
المطلوب من كل أم: أن تفرغ ساعتين من وقتها في كل يوم للأولاد، تجالسهم، تمازحهم، تضاحكهم، تستمع إليهم،وتزرع فيهم خيراً ، نحن اليوم أيها الأخوة أحوج ما نكون إلى آباء مربين، وإلى أمهات مربيات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأب في داره راع وهو مسؤول عن رعيته، والأم في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها )( )



الحمد لله رب العالمين