السبت 29 كانون ثاني 2022


حل وسط

السبت 14/10/1435هـ 09/08/2014م - 1938 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت جيدة mp3 3.34 MB 29:08 mp3 mp3
صوت عالية mp3 26.6 MB 29:03 mp3 mp3
مستند عالية doc 73 KB - doc
فيديو عالية wmv 69.73 MB - wmv wmv

حلٌّ وَسَط

مستعينين بالله تعالى نعودُ إلى إتمامِ سلسلةِ الخطب التي كنا معها قبل رمضان، وعنوانها: (أخطاء شائعة).

في المصالحاتِ وفضِّ النزاعاتِ يبحثُ المحكِّمون أحياناً عن حلولٍ وسط، فيستخدمون جاههم ليطلبوا من أهل القتيل قبولَ الدية، ويُلزِمون أهلَ القاتل بدفعها، ويصلُ الجميع إلى اتفاقٍ بحل وَسَط.

ويسودُ بين بناتِنا اليوم حلٌّ وَسَطٌ في لباس المرأة، فترى الفتاةَ ترتدي غطاءَ رأسها (الإشارب) وتضمُّ إليه بنطالاً ضيقاً أو قميصاً ملاصقاً فتكون بهذا جمعَتْ في حلٍّ وسَط -كما تقول- بين الالتزام بالدين والالتزام بالموضة!.

يفعل عمرو من الناس الموبقاتِ ويأكل أموال الناس ظلماً، ثم هو يتصدق الصدقات الكثيرات، ويكفلُ من الأيتام الأعداد الكبيرة، وهو مستمرٌّ في كلا الأمرين (الموبقات والصدقات) في حلٍّ وسط بين الخير والشر! وهذا يُذهِبُ هذا -بزعمه-.

فأيٌّ من الحلول الوسط الماضيات مقبولٌ في الشريعة وأيها المرفوض؟ أيها صوابٌ وأيها خطأٌ شائع؟.

أولاً- لا يُقْبَل في العقيدة الحلُّ الوَسَط: فلا إلهَ إلا الله محمدٌ رسولُ الله: نُطقاً واعتقاداً والتزاماً، كلمةُ هذا الدين التي لا يقبلُ اللهُ غيرَها. فالعقيدةُ لا تقبل الحلَّ الوسط {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} [الجن: 20] تعبدُ الله لا تُشرك به شيئاً، وإن قُطِّعْتَ وحُرّقْتَ.

ثانياً- لا يُقبَل في الولاء الحلُّ الوسَط: والولاءُ هو الحبُّ والنصرةُ، أي أن تعطي قلبَك أو تعطي نفسَك ومالك. قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ...}. [المجادلة: 22]

فالولاءُ والبراءُ لا يقبل الحل الوسط، وليس صوابا أن يحب المرء أقواماً يحادّون الله ورسوله، ويعطيهم قلبه لكفرهم وفحشهم.

ثالثاً- يُقْبَل في تطبيق الشريعة الحلُّ الوسَطُ على أنه تدرُّجٌ في التطبيق، وأن يَعلَم المرءُ أنه مقصِّر، متى أُتيح له الإتمام أتم:

أخرج أبو داود عن وهب قال: سألتُ جابراً عن شأن ثقيف إذ بايعت، قال: اشترطتْ على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يقول: «سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا».

فهذا تدرُّج في تطبيق الأحكام الشرعية، أمَّا البقاءُ على ما هو عليه بزعم أنه حلٌّ وسط، فليس بمرضيٍّ ولا شرعي.

ومن هنا نَعلمُ أنَّ بناتِنا اللواتي يجمَعْنَ إلى أصول الدين أصولَ الموضة، وإلى غطاء الرأس ملوناتِ الوجه، والبنطالَ الضيق، لَسْنَ على صوابٍ إن بقينَ على هذه الحالة. وإنَّ من أخطائنا الشائعة أن يُقْصَرَ حجَابُ المرأة على رأسها، ويُتْرَكَ باقي الجسم من دون حجابٍ شرعيٍّ ساترٍ.

وكذلك رجالُنا الذين يأكلون أموالَ الناسِ ظلماً ثم يتبرَّعون بالصدقات، إن ظنوا أنهم خرجوا من حقوقِ العبادِ بصدقاتِهم، فليعلموا أنَّ الحلَّ الوسطَ في هذا لا ينفع، ولابدَّ من ردِّ الحقوق إلى أصحابها، ومِن تركِ الاعتداء على أموال الناس.

رابعاً- يُقبَل في المباحاتِ الحلُّ الوسَط: فالأمور التي يستوي فيها الفعلُ والتركُ إن كانتِ المصلحةُ في الحل الوسط فهو مقبولٌ، ومن هنا جاز الحلُّ الوسَط في الصلح إن رضيَ به الأطراف.

هذا حديثي عن الحلِّ الوسَط، وهو صوابٌ في حالاتٍ، وخطأٌ شائعٌ في حالاتٍ أرَدْتُ بيانَ بعضِها، والله أعلم وأحكم.

نسألُ اللهَ تعالى أن يُعينَنا على تصحيح أقوالنا وأفعالنا حتى يعجِّلَ لنا بالفرج.

والحمد لله رب العالمين