السبت 29 كانون ثاني 2022


عدم المعرفة بالتحكيم

السبت 17/08/1435هـ 14/06/2014م - 1597 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت جيدة mp3 3.09 MB 26:58 mp3 mp3
صوت عالية mp3 24.71 MB 26:59 mp3 mp3
مستند عالية doc 70.5 KB - doc
فيديو عالية wmv 65.98 MB - wmv wmv

عدم المعرفة بالتحكيم

قضَتْ سنةُ الله تعالى الاختلاف بين البشر، يفيدُ بعضُ الناس من هذا الاختلاف ويجعلونه تكاملاً، ويعجزُ آخرون عن الإفادة منه فيتحول فيما بينهم إلى خصوماتٍ ونزاع.

والملاحظُ أن عدداً لا بأس به من العاملين في الأسواق إذا تنازعوا لم يفكروا إلا بطريق واحدة للحل وهي الترافع إلى القضاء، الأمرُ الذي يرينا عشرات آلاف الدعاوى مكدسةً أعباءً عند القضاة.

ولعل كثيراً من المتخاصمين لم يتفطنوا للتحكيم، أو فطنوا له ولم يعطوه حقه. فكانت هذه الخطبة
(عدم المعرفة بالتحكيم) تذكيراً للعالم وتعليماً للجاهل.

التَّحْكِيمُ فقهاً: تَوْلِيَةُ الْخَصْمَيْنِ حَاكِمًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا. والتحكيم قانوناً: أسلوبٌ اتفاقيٌّ لحل النزاع بدلاً من القضاء.

والتحكيم مندوبٌ إليه مأمورٌ به شرعاً وقانوناً. قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]. يذكر المتخصصون مزايا للتحكيم، منها:

اختيارُ المتنازعَين المحَكَّم، إضافةً إلى اختيارِ مكان التحكيم ومواعيدِه. وسرعةُ الإجراءاتِ مقارنةً مع إجراءاتِ القضاء. وتوافرُ العدالة السريعةِ التي يقدِّمُها التحكيم. وسريةُ التحكيم: إذ يحرصُ المتنازعان ألَّا تؤثِّر مجرياتُ التحكيم على سمعتهمُ.

هذا الحديثُ عن التحكيم أحبُّ أنْ أنهيَهُ بأربع نقاطٍ هي النتيجةُ العمليةُ للخُطبة:

النقطة الأولى- مَنِ استطاعَ منكم أن يبذلَ التحكيمَ للناس فليفعلْ؛ لنشرِ الصلحِ بينهم ومنعِ القطيعة والشحناء، فنحن مأمورون بالإصلاح بين الناس، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10].

ولكنْ ينبغي على مَن يتصدَّى للتحكيمِ بين الناسِ أن يكونَ خبيراً بما يُحَكَّمُ فيه، أو يستعينُ بخبير، وأن يكونَ عالماً بحكم الشرع في المسألةِ أو يستعينُ بعالم، وأن يكونُ معروفاً بالخلُقِ، وأن يستحضرَ في عمله النيةَ الصالحةَ؛ لينالَ ثوابَ ما يفعل.

النقطة الثانية- لِيعلَمْ مَن طلَبَ إلى محكَّمٍ التحكيمَ في مسألةٍ أنه مَتَى أَصْدَرَ الْمحَكَّمُ حُكْمَهُ، فالأصلُ أنَّ هَذَا الحُكْمَ مُلْزِمٌ لِلْخَصْمَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ، ويَتَعَيَّنَ إِنْفَاذُهُ دُونَ أَنْ يَتَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَى رِضَا الْخَصْمَيْنِ.

النقطة الثالثة- عددٌ من المحكَّمين يبذلون أوقاتَهم وجاهَهُم في التحكيم تقرُّباً إلى الله تعالى بالإصلاح بين خلقِه، وربما أخذَ الأمرُ منهم أياماً وأسابيعَ ودراساتٍ ومراجعات، ولكنْ ليعلمِ المتنازعون أنَّ القاعدةَ أنَّ للتحكيم بدلاً وأتعاباً ونفقاتٍ توزَّعُ في الأصل بين طرفي النزاع، فإنْ تبرَّعَ المحكَّمون بها للطرفين فلْيَشكروا لهم ولْيُكثروا من الدعاءِ لهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» [أبو داود].

النقطةُ الرابعة- أنصحُ كلَّ منْ أبرمَ عقداً مالياً من شراكةٍ أو إجارةٍ أو مقاولاتٍ أو نحوها أن يُدرِجَ في نهاية العقد مادةً مستقلةً يذكرُ فيها: أنه عند حدوث خلافٍ بين طرفي العقد يلجآن إلى حلِّه بالطرقِ الودِّية، فإنْ لم يتمكَّنا فإنهما يسوِّيان الخلافَ صُلحاً عن طريقِ التحكيم، بأنْ يُعَيِّنا معاً محكماً واحداً، فإنْ لم يتَّفقا على واحدٍ، عَيَّن كلٌّ منهما واحداً، وعيَّن المحكمان محكماً ثالثاً، فصار التحكيم إلى الثلاثة.

نسألُ اللهَ تعالى أن يُعينَنا على تصحيح أقوالنا وأفعالنا حتى يعجِّلَ لنا بالفرج.

والحمد لله رب العالمين