السبت 29 كانون ثاني 2022


الطلاق البدعي

السبت 12/06/1435هـ 12/04/2014م - 2242 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 31.7 MB 34:37 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 3.97 MB 34:39 mp3 mp3
مستند عالية doc 101.5 KB - doc
فيديو عالية wmv 67.37 MB - wmv wmv

الطلاق البدعي

لَمَّا شرع الطَّلاق شرع له نظاماً، فالطَّلاق شرعاً له تعريفٌ وأركانٌ وألفاظٌ وشروطٌ وأنواعٌ وأحكامٌ، تُمَثِّل بمجموعها نظام الطَّلاق، ليكون الطَّلاق حلاً لمشكلةٍ، وعلاجاً لِعِلَّةٍ، وشفاءً من داءٍ، فالطَّلاق المشروع المأذون به المرضي عند الله هو الموافق لنظام الطَّلاق، الذي شرعه الله وهو ما يسميه العلماء: (الطَّلاق السُّنيِّ)، فإذا خالف الطَّلاق نِظام الشَّريعة صار طلاقاً عبثيَّاً فوضويَّاً، يُسْخِط الخالق ويؤذي الخَلْق، وهو ما يسميه العلماء: (الطَّلاق البِدْعي). وخطبة اليوم تتحدَّث عن هذا الطَّلاق البدعي، الذي يُسْخِط الخالق ويؤذي الخَلْق، وهو طلاقٌ شائعٌ بين الـمُطَلِّقين -نسأل الله المغفرة- ولعلَّ الخطبة تكون مُعِيْنَاً في التَّعرف عليه لاجتنابه، والطَّلاق السُّنيِّ الموافق للشَّريعة هو ما وافق ثلاثة شروطٍ:

الشَّرط الأوَّل- أن يكون لحاجةٍ مقبولةٍ شرعاً:  

كالمرأة المتزوجة من رجلٍ لا يُنجب ولها تعلقٌ كبيرٌ بالأولاد، لا حلَّ لها إلَّا أن تطلب طلاقاً من زوجها، فيطلِّقها لتتزوَّج غيره فتنجب، فهذا طلاقٌ يبيحه الشَّرع ويرضى عنه.

وأَذْكُر أنَّ الشَّارع الحكيم أوكل لثلاثةٍ من ذوي الحجا الحكم للرجل بجواز مسألته؛ فمِن الممكن أن يستشير مَن أراد طلاقاً ثلاثةً من ذوي الحجا ممَّن يعرفون بيته وأسرته، فإن أشاروا بالطَّلاق فهو طلاقٌ مقبولٌ شرعاً، وإن أشاروا بعدمه فهو غير مقبولٍ.

الشَّرط الثَّاني- أن يُطَلِّقها في طُهْرٍ لم يجامعها فيه: 

 قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطَّلاق:1]، وقال المفسِّرون: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}أي الطُّهر من غير جماعٍ.

ومن هنا قال الأئمة الأربعة: إنَّ مَن طلَّق زوجته طلاقاً بِدعياً آثمٌ عاصٍ، ولكن تُحْتَسب له التَّطليقة.

والحكمة من عدم جواز التَّطليق في أثناء الدَّورة الشَّهريَّة، أنَّ الاضطرابات الهرمونيَّة في فترة الحيض تنعكس على الحالة النَّفسيَّة والعاطفيَّة للمرأة، فتراها نَزِقَةً أو سريعة الغضب أو بطيئة الاستجابة، فكانت حكمة الشَّارع أن يتمهَّل الزَّوج في الطَّلاق حتَّى يكون القرار مبنيَّاً على حالةٍ طبيعيَّةٍ لا عارضةٍ. ثمَّ إنَّ كثيراً من الأزواج يغضبون فيُريدون طلاقاً، فإذا كانت الزَّوجة في الحيض أو في طُهْرٍ جامعها فيه وجب عيه التَّمهل أيَّاماً لانتهاء الدَّورة الشَّهرية أو أسابيع لاستقبال طُهْرٍ جديدٍ، وفي هذا الانتظار الطَّويل أو القصير تكون جمرة الغضب قد انطفأت، وجذوة الشَّيطان قد خَمَدَت، فأنهى الشَّارع طلاقاً لم يكن بمحلِّه بحكمة التَّشريع.

الشَّرط الثَّالث- أن يكون طَلْقَةً واحدةً، لا اثنتين ولا ثلاثةً: 

أخرج النَّسائي عن محمود بن لَبِيدٍ رضي اللَّه عنه قال: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعاً، فَقَامَ غَضْبَاناً ثُمَّ قَالَ: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ»، حَتَّى قَامَ رَجُلٌ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ أَقْتُلُهُ؟

والحكمة من هذا الشَّرط معلومةٌ، فإنَّه إذا ندم بعد طَلْقَةٍ واحدةٍ استطاع رَدَّها، ولكن لو طَلَّقَ ثلاثاَ وندم فلا رجعة لها حتَّى تنكح زوجاً غيره.

الطَّلاق البدعي هو ما خالف شرطاً من شروط الطَّلاق الشَّرعي، فكلُّ من طَلَّقَ لغير حاجةٍ معتَبَرةٍ شرعاً طَلَّقَ طلاقاً بِدْعِيْاً، وكلُّ من طَلَّقَ في الحيض أو طُهْرٍ جامع زوجته فيه طَلَّقَ طلاقاً بِدْعِيْاً، وكلُّ من طَلَّقَ اثنتين أو ثلاثاً مجموعةً طَلَّقَ طلاقاً بِدْعِيْاً.

الطَّلاق البِدْعي إثمٌ ومعصيةٌ وفيه مخالفة الخالق وظُلْم الخَلْقِ، ومالم تُرْفَع المظالمُ من بيننا فإن الأمر شديدٌ والخطب جسيمٌ، وسلسلة أخطاءٍ شائعةٍ دعوةٌ للعودة إلى تحكيم شرع الله بيننا حتَّى يصلح الله أحوالنا.

نسألُ اللهَ تعالى أن يُعينَنا على تصحيح أقوالنا وأفعالنا حتى يعجِّلَ لنا بالفرج.

والحمد لله رب العالمين