السبت 29 كانون ثاني 2022


التَّدليس والتَّغرير في العقود

الجمعة 21/05/1435هـ 21/03/2014م - 3359 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 23.45 MB 25:36 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 2.94 MB 25:40 mp3 mp3
مستند عالية doc 94 KB - doc
فيديو عالية wmv 49.83 MB - wmv wmv

التَّدليس والتَّغرير في العقود

الأصل في المعاملات الماليَّة والعقود المبرمة في الأسواق، أنَّها تنشر المحبَّة في المجتمع وتزيد التَّرابط بين أفراده؛ لأنَّ مبناها قضاء حاجات النَّاس وتيسير مصالحهم، ولكن الأمر يتحوَّل إلى ضده عندما يغرِّر الباعة بالمشترين، ويدلِّس المحامي على الموكِّلين، ويُلَبِّس الموظَّف الأمر على المراجعين، فيغدو السُّوق مكاناً مناسباً لزرع العداوة والبغضاء، وتصبح المعاملات سبباً في بذر الشِّقاق والنِّفاق.

وإنِّي وجدت التَّدليس والتَّغرير في إبرام العقود خطأً شائعاً في معاملاتنا الماليَّة، يفعله كثيرون وينجو منه آخرون.

-   فهذا سائق سيَّارة الأجرة تطلب إليه زبونةٌ إيصالَها إلى الحيِّ الفلاني، فيدور فيها أحياءً متعدِّدةً من غير مبرِّرٍ، ثمَّ يوصلها إلى الحيِّ الذي تريد، ليُوْهِمَها بأنَّ المسافة بعيدةٌ والطَّريق شاقَّةٌ ويأخذ منها الأجرة المضاعفة.

-   وهذا مهندسٌ يتسلَّم شقَّةً سكنيَّةً لإعادة إكسائها، ويُوهِم الزَّبون أنَّه سيكسوها له في ستَّة أشهرٍ، ثمَّ تبقى ورشاته بها سنةً أو سنةً ونصف، يخاف إِنْ صدق معه بالمدَّة من أوَّل العقد أن ينسحب الزَّبون إلى مهندسٍ غيره.

-   وهذه أغلفةٌ لبعض مأكولات الأطفال لها حجومٌ كبيرةٌ تغري الطِّفل بامتلائها، فإذا اشتراها وفتحها لم يجد إلَّا قِطَعاً قليلةً، وقد امتلأ الكيس هواءً.

-   وهذا مكتبٌ عقاريٌّ يأتيه الزَّبون ليخبره بعزمه على بيع شقته وليعلمه بثمنها، فيبخس له بالأسعار ويقلِّل له من حركة العقارات ليدعوه إلى بيعها بسعرٍ أقل، فإذا كان الزَّبون من المشترين طارت الأسعار واشتعلت السُّوق.

وهكذا تكثر صور التَّدليس والتَّغرير في العقود، فينال المدلِّسون إثماً، ويخلطون مالهم الحلال بالحرام، وينزعون الثِّقة من بين أفراد المجتمع، فيتوجس المرء خيفةً من أقرب المقرَّبين، ويظنُّ الغدر من أصلح الصَّالحين.

ولا تتحقَّق الإرادة العقديَّة إلَّا بالرِّضا الكامل، وإنَّ التَّدليس أو التَّغرير يُزيل الرِّضا أو ينقصه، والأصل أنَّ العقود لا تكون صحيحةً إلَّا عن تراضٍ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29].

والتَّدليس أو التَّغرير: هو إغراء العاقد وخديعته لِيُقْدِمَ على العقد ظاناً أنَّه في مصلحته، والواقع خلاف ذلك.

ومن أنواع التدليس: (التَّدليس الفعلي، والتَّدليس القولي، والتَّدليس بكتمان الحقيقة)،

 والتَّدليس والتَّغرير حرامٌ شرعاً باتفاق الفقهاء لأنَّه غشٌّ وخداعٌ، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ إِلاَّ بَيَّنَهُ لَهُ» [رواه ابن ماجة].

ويُعطي التَّدليس العاقد حقَّ فسخ العقد، أو إمضائه، أو الرُّجوع بالنُّقصان الذي أصاب ما اشترى على تفصيلٍ بين الفقهاء، ولا فرق في التَّدليس بين أن يصدر من أحد العاقدين، أو مِن شخصٍ آخر أجنبيٍّ عنهما،كالدَّلَّال ونحوه إذا كان بتواطؤٍ مع أحد العاقدين.

التَّغرير والتَّدليس في المعاملات الماليَّة خطأٌ شائعٌ، والصَّواب البيان والإفصاح للزَّبون والرَّازق هو الله، ودرهمٌ فيه بركة الحلال ورضا المتعاقدَين خيرٌ من عشرة مغموسةٍ بوحل الحرام وسخط المتعاقدين.

نسأل الله تعالى أن يعيننا على تصحيح أقوالنا وأفعالنا حتى يعجِّلَ لنا بالفرَج.  

والحمد لله رب العالمين