الأحد 01 تشرين ثاني 2020


بعض القواعد الفرعية من قاعدة اليقين لايزول بالشك 3

الثلاثاء 10/09/1434هـ 16/07/2013م - 2951 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 2.82 MB 24:34 mp3 mp3
فيديو جيدة wmv 47.49 MB - wmv wmv
مستند عالية docx 39.28 KB - docx

 

 

الثلاثاء 16/7/2013              7/رمضان/1434      الشيخ الطبيب محمد خير الشعَّال 

سلسلة القواعد الفقهية

بعض القواعد الفرعية من قاعدة

اليقين لا يزول بالشك (3)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً متقبلاً يا أكرم الأكرمين. أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه. نسألك علم الخائفين منك، وخوف العالمين بك.. وبعد: 

هذا درس جديد في دروس قواعد فقهية وقد صار معلوماً لديكم أن القواعد الفقهية: هي تعابير فقهية مركزة في قوانين الشريعة الإسلامية.

استنبط العلماء هذه القواعد الفقهية واستقرؤوها من دراسة آيات القرآن الكريم كلها، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بمجملها والمادة الفقهية.

هذه القواعد يندرج تحتها الكثير من فروع الفقه، ويفيد منها أهل القانون، وندرسها حتى نفيد منها في حياتنا اليومية؛ لأن من وافق في تصرفاته ما جاء به الشرع في محاكماته للأمور وفي تعاملاته مع من حوله فلح وفاز ونجح، ومن خالف خالفه النجاح والتوفيق والفوز.

بعد أن عقد الفقهاء القواعد الفقهية لاحظوا أن هناك قواعد فقهية خمسة رئيسية سموها الكليات الكبرى يندرج تحتها الكثير من القواعد وهي:

1-              الأمور بمقاصدها.

2-              اليقين لا يزول بالشك.

3-              المشقة تجلب التيسير.

4-              لا ضرر ولا ضرار

5-              العادة محكمة.

تكلمنا في الدرس الماضي عن قاعدة اليقين لا يزول بالشك وفصلنا في بعض فروعها كـ:

الأصل بقاء ما كان على ما كان، ولا عبرة للتوهم، ولا عبرة للظن البَيِّن خطؤه.

والقاعدة الفرعية الثامنة: لا يعتبر الشك بعد الفعل ولا يعتبر الشك من كثير الشك.

أ‌.                    لا يعتبر الشك بعد الفعل:

-                   رجل صلى العصر وبعد انتهائه وجلوسه قال في نفسه: هل صليت ثلاث ركعات أم أربع؟

-                   رجل بعد صلاته تردد هل كنت على وضوء أم لا؟

-                   رجل بعد إفطاره من الصيام قال: هل أكلت شيئاً داخل النهار أم لا؟

-                   رجل طاف وبعد أن انصرف شك في عدد طوافه هل أنقص أم لا؟

فالقاعدة الفقهية تقول: لا يعتبر الشك بعد الفعل فإذا فعلت فعلاً وأتممته ثم شككت فارم الشك أرضاً، واعلم أن عملك مقبول وتام بإذن الله تعالى.

لكن إذا وقع الشك قبل الفراغ من الفعل فإن القاعدة لا تطبق هنا بل يؤخذ بالشك كأن تزيد ركعة في الصلاة عند الشك بين الأقل والأكثر في الركعات ويسجد سجدتين للسهو.

ب‌.             ولا يعتبر الشك من كثير الشك:

إذا كان هناك إنسان كثير الشك وهو ما يسمى بـ (موسوس) فلا يعتبر شكه أبداً لا في أثناء الفعل ولا بعده؛ لأنه إنسان مريض ويسمى مرضه عند الأطباء الوسواس القهري.

-                   رجل كلما توضأ شك في نفسه أنتقص شيئاً من أركان الوضوء أم لا فلا يزال يعيد وضوءه حتى يمتلأ بالماء.

-                   أم تغسل يديها؛ لأجل تحضير حليب ابنها، ثم تشك في نظافتهما ولا تزال تعيد غسل يديها.. وقد تمضي نصف النهار على ذلك .

-                   رجل يخاف أن يحمل السكين؛ لئلا يقتل بها ولده.

وافق الطب الشريعة تماماً فلم يؤخذ بالشك أبداً لكثير الشك، وأرشد إلى المصابين بالوسواس القهري بضرورة العلاج النفسي، فالطبيب يدربه ويعالجه معالجة معرفية وسلوكية ودوائية.

تقوم المعالجة المعرفية: على أن يقنعه بأنه يستحيل -مثلاً- أن يقتل ابنه.

تقوم المعالجة السلوكية: على أن يجعلوه يمسك بيده السكين بحضرة ولده ليلاحظ أنه لم يقتل بها ولده.

هذا التوافق بين الشريعة والعقل ناتج عن أن الشريعة أنزلها الله والعقل خلقه الله عز وجل، ويستحيل لمخلوقين من مخلوقات الله تعالى أن يتعارضا.

وضع الفقهاء لمعالجة المصاب بكثرة الشك ضوابط في شؤون حياته فمثلاً:

-                   هناك أناس موسوسون في مسألة الطهارة فيستخدمون الماء حتى يبتل جسدهم كله به، فجاء العلاج ليقول لهم: الاستنجاء ثلاثة ولا يضرك بعدها ما يحدث.

-                   هناك شخص إذا دخل الخلاء ثم توضأ توسوس بخروج شيء من البول فيعود ليتوضأ فجاء العلاج ليأمره بأن يستمر في صلاته وأن يقطع هذا الوسواس بأن ينضح ثوبه الداخلي بالماء بعد الاستنجاء حتى إذا حدثته نفسه حديث وسوسة قال لها: بل هذا الماء هو الماء الذي نضحته داخل ثوبي.

-                   رجل كلما صلى شك في نية صلاته، فجاء جماهير الفقهاء ليقولوا: يستحب الجهر بالنية وخاصة للموسوس الذي يشك، فهذا الجهر يساعده في قطع الوسواس.

صرح المالكية بأن شك الموسوس كالعدم وهكذا تجد أن القاعدة تقول: لا يعتبر الشك من كثير الشك.

تستخدم كلمة الوسوسة اليوم في معان غير ما سمعتم، كاستخدام الوسوسة بمعنى نفث الشيطان قال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: 1-4]، وأحياناً تكون بمعنى الاعتقاد، وأحياناً بمعنى الأفعال.

الوسوسة في الاعتقاد: بأن يأتي الشيطان إلى الرجل فيحدثه حديث نفس في داخله بأمر يتعلق بالتوحيد، والأنبياء، والصالحين... وهذه الوسوسة لا علاقة لها بهذا الشك الفقهي.

عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا، مَنْ خَلَقَ كَذَا، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ» [البخاري ومسلم].

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» [مسلم].

قال شراح الحديث: محض الإيمان: أي القلق الذي في داخلك هو محض الإيمان، كإنسان فاتته صلاة الفجر فتراه منزعجاً طيلة اليوم، وترى آخراً لا يأبه لذلك، فالمنزعج دليل على إيمانه والثاني على موته.

وقال بعضهم: محض الإيمان: هي الوسوسة؛ لأن الشيطان علم أن هذا الإنسان مؤمن فجاء ليوسوس له ولو علم أنه على غير الإيمان لما جاءه.

ذكروا بأن رجلاً من اليهود جاء لأحد العلماء فقال له: أنتم معاشر المسلمين تتعبدون بالوسواس ونتعبد نحن من دونه؟! فقال: أسألك سؤالاً: بيت فيه الدُرُّ واللؤلؤ والمرجان، وبيت خَرِبٌ نتن فأيهما يقصد اللص؟ قال: بيت اللؤلؤ والدر والمرجان، قال: كذلك بيوتنا عمرت بالتقوى فقصدها الشيطان، وقلوبكم خربة نتنة فتركها.

 

وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.

والحمد لله رب العالمين.