الاثنين 24 كانون ثاني 2022


الاستعداد لرمضان

الأحد 22/08/1434هـ 30/06/2013م - 3245 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
مستند عالية docx 49.63 KB - docx

 

الاستعداد لرمضان

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسول الله، وآله وأصحابه أجمعين، وبعد:

كل عام وأنتم بخير..

جرَت عادةُ التُّجار أن يستعدوا لمواسم بيعهم، وجرَت عادةُ الزُّرّاع أن يستعدوا لمواسم بَذْرهم وحصادهم، وجرَت عادةُ الطُّلاب أن يستعدوا لامتحاناتهم واختباراتهم...

وكذلك الصَّالحون المقبلون على الله تعالى والطَّامعون بالأجور العالية من الله تعالى في رمضان، يستعدون لرمضان، موسم النَّفحات الرَّبانية، والتَّجليات النُّورانية، والهبات الرَّحمانية، وقد كان رسولُ الله r إمامُ الصَّالحين يستعِدُّ في شعبان لرمضان.

تقول أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  أَنْ يَصُومَهُ شَعْبَانُ، ثمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ»([1]).

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلتُ: يا رسول الله، لم أرَكَ تصومُ شهراً من الشُّهور ما تصومُ من شعبان، قال: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفِلُ النَّاسُ عَنْهُ، بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفَعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، فأُحِبُّ أن يُرفع عملي وأنا صائم»([2]).

وإنِّي رأيتُ أن نَستَعِدَّ لاستقبال رمضان بأمورٍ أربعة:

-     أوَّلاً: التَّوبة والرجوعُ إلى الله تعالى.

وَرَدَت كلمة التَّوبة ومشتقاتها في القرآن الكريم في ثمانية وثمانين موضعاً، ووردت كلمةُ المغفرة ومشتقاتُها في القرآن الكريم في مائة وواحد وأربعين موضعاً، وهذا يعني أنَّ الله تعالى يقول لك أكثر من مائتي مرة في القرآن الكريم: يا عبدي، تُب إليّ، يا عبدي ارجع إليّ، يا عبدي استغفرني.

وسمَّى الله تعالى نفسه توَّاباً، يعني رجَّاعاً إلى العبد بالعطايا كلَّما رجَع إليه العبد متبرِّئاً من الخطايا.

وسمَّى الله تعالى نفسَه غافراً، وغفَّاراً، وغفوراً، فالعبد ظالمٌ والرَّب غافر، والعبد ظلَّام والرَّب غفَّار، والعبد ظلومٌ والرَّب غفور.

فتعالَوا نُعاهدْ ربنا أنَّنا سنُقلِعُ عن الذُّنوب قبل أن يدخل رمضان، وأنَّنا لن نَعُودَ إليها، وتعالَوا لنستغفرِ الله تعالى..

«يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي...

يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عِنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي: غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي...

يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ إِنْ أَتَيْتَنِيْ بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثٌمَّ لَقِيْتَنِيْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَة»([3]).

مهما كنتَ ظالماً، فربُّك غافر، ومهما كنتَ ظلَّاماً، فربُّك غفّار، ومها كنتَ ظلوماً، فربُّك غفور، على أن تتوب وترجع إليه.

-     حدَّث سليمانُ بن منصور بن عمار -وقد كان أبوه منصور من الوعَّاظ- قال سليمان: رأيتُ أبي في المنام، فقلت له: ما فعل بك ربك؟ فقال: إنَّ الرَّب قربني وأدناني، وقال لي: يا شيخ السُّوء، أتدري لِمَ غفرتُ لك؟ فقلتُ: لا يا إلهي، قال: إنَّك جلستَ للنَّاس يوماً مجلساً فأبكيتهم، فبكى عبدٌ من عبيدي، لم يبكِ من خشيتي قط، فغفرتُ له، ووهبتُ أهلَ المجلس كلهم له، ووهبتُك فيمن وهبتُ له.

-     قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: دخلت على جارٍ لي وهو في الغمرات، يعاني عظيم السَّكرات، يغمى عليه مرةً ويفيقُ أخرى، وفي قلبه لهيبُ الزَّفرات، وكان منهمكاً في دنياه، متخلفاً عن طاعة مولاه، ملازماً للمعاصي، فقلت له: يا أخي، تُبْ إلى الله، وارجع عن غيِّكَ عسى المولى أن يعفو عنك، ويتجاوز عن ذنبك، فقال: هيهات هيهات، قد دنا ما هو آت، وأنا ميتٌ لا محالة، فيا أسفي على عمْرٍ أفنيتُهُ في الشَّهوات.

أيُّها الأخ الكريم:

مهما عَظُمَ ذنبك، فلا تستحي أن تُقبل على ربك، فإنَّ عفو ربك أعظم..

ومهما طال بُعدُكَ، فلا تتوانى أن ترجع إليه، فإنَّ شوقَهُ لك كبيرٌ..

فأوَّل شيءٍ نستعدُّ به لاستقبال رمضان التَّوبة، والعزمُ على ترك الذُّنوب، ولئن بدأتَ بطريق الخير فإنَّ الله تعالى سيعينُكَ عليه، ويؤيدُك فيه.

 

-     ثانياً: ردُّ المظالم إلى أهلها.

وذلك بإرجاع الحقوق إلى أصحابها، ورد المظالم إلى أهلها؛ لأنَّه مهما عَلِقَتْ في رقبتك حقوقٌ للعباد حالَتْ بينك وبين الجنَّة، حتَّى يُرَدَّ الحقُّ لأهله، أو يسامحوك.

وقد ورد ذِكرُ الظُّلم وعواقبه السَّيئة في القرآن الكريم في مائتين وتسعة وثمانين موضعاً، وورد ذِكرُه في كتُب الحديث التِّسعة في أكثر من سبعمائة موطن...

قال الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ } [إبراهيم:42-43].

وقال رسول الله r: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أو شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ»([4]).

اعلم -أخي المؤمن- أنَّ الذُّنوب المتعلقة بحقوق العباد لا تُغفر إلا إذا رَدَدْتَ الحق إلى صاحبه، أو أن يعفوَ عنك صاحبُ الحق؛ وإنَّ أحاديث المغفرة الواردة في الصيام كقول رسول الله r: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيْمَانَاً وَاحْتِسَابَاً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»([5]). وقول النَّبيِّ r: «من قامَ رمضانَ إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِهِ»([6])، وقوله r أيضاً: «من قامَ ليلةَ القدر إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِهِ»([7])، إنما تشمل الذُّنوب التي بين العبد وبين الله تعالى، أمَّا حقوق العباد فلا بدَّ من ردِّها إلى أصحابها، أو يسامحُ صاحب الحق؛ فالعلماء قسّموا الحقوق الواجبة على العباد إلى قسمين:

1)      حقوق الله تعالى: وهي التي لا مُطالب لها من جهة البشر، كالصَّلاة والصيام وغيرها.

2)      حقوق العباد: وهي التي لها مُطالِبٌ من البشر؛ كالدُّيون والأشياء المعَارة، وغير ذلك.

وقالوا: إنَّ حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، وإنَّ حقوق العباد مبنية على المشاححة؛ حتَّى لا يقصِّر أحدٌ في أداء حقوق العباد إليهم.

التَّاجرُ الذي يظلم المشترين، والموظفُ الذي يظلم المراجعين، والقاضي الذي يظلم المترافعين، والضَّابطُ الذي يظلم المرؤوسين، والمديرُ الذي يظلم الموظفين، والغنيُّ الذي يظلم الفقير، والزَّوجُ الذي يظلم زوجته، والمعلمُ الذي يظلم تلاميذه...، كلُّ هؤلاء خالفوا القرآن الكريم والسُّنة النَّبوية المشرفة، وعرَّضوا أنفسَهم لغضب الله وسخطه، ما لم يكفُّوا عن ظُلمهم، ويردُّوا المظالم إلى أهلها، وكيف سيستقبلون رمضان وفي أعناقهم مظالمُ وظلمات، يجدُرُ بهم ردُّها إلى أصحابها؟!

-     رأى أحد التُّجار زبوناً له في المطار، وكانا ينويان السَّفر لأداء فريضة الحجِّ، فسلم التَّاجر على الزّبون، ثمَّ سأله: إلى أين تسافر؟ فقال الزّبون: إلى الحجِّ، فقال التَّاجر: لكنك لم تؤدِّ الذِّمم التي لي عليك! فقال: وماذا عليَّ من الذِّمم؟ فقال التَّاجر: لي عندك دينٌ منذ سنتين! فقال الرَّجل: أما نسيتَه؟! فقال: لا، فقال الرَّجل: إذاً سامحني الآن، فقال التَّاجر: لن أفعل حتَّى تردّه عليَّ، فقال الزَّبون: الآن أذهب إلى الحجِّ، فإذا حججتُ، رجعتُ كيوم ولدَتني أمي، لا لي، ولا عليَّ، فسامحني إنْ شِئت أو لا تسامحني!!!

هذا الرَّجل لم يعلم أنَّ حقوق العباد لا بُدَّ من ردّها، وأنَّ المغفرةَ متعلقةٌ بالذُّنوب التي بينه وبين الله تعالى.

-     رجلٌ آخر صاحب ثروة ومكانة، تزوج امرأة ثانيةً سرَّاً دون علم زوجته الأوَّلى، وطلب من زوجته الثَّانية أن لا يعلن الأمر أوَّلاً، وأن لا يسجِّل العقد في المحكمة ثانياً، وأن لا تَلِدَ منه طفلاً ثالثاً، ورضيَت المرأة بذلك!!! والسُّؤال الآن: إذا مات هذا الرَّجل بعد حين، مَنْ سيُعطي هذه المرأة حقَّها من المقدَّم والمؤخر الإرث؟

هذا ظلمٌ، ولا بد من ردِّ المظالم إلى أهلها، قبل دخول شهر رمضان.

-     طالبٌ جامعي تعرَّف على زميلةٍ له، وأُعجب كلٌّ منهما بالآخر، وأخبرها بأنَّه يحبها وهي صدّقته، وكان يدعوها للخروج معه مراراً وتكراراً، فطلبتْ منه أن يأتي إلى بيت أهلها ويخطبها ثمَّ يتزوجها، فتعلّل بأن أهله لا يوافقون الآن لأنَّه مازال يدرس، لكنْ بإمكانه أن يذهب بها مع شاهدين من أصدقائه في الجامعة إلى رجل -قال إنَّه شيخ- ليعقد لهما عقد زواجهما؛ حتَّى يكون جلوسهما مع بعضهما شرعياً! فإذا أنهيا الدِّراسة بعد سنتين، يذهب مع أهله ليطلبَها رسميّاً من أهلها.

رضيَت السَّاذجةُ، وفَعَلَتْ ما قال لها، وعقَدا العقد، ثمَّ ذهب بها إلى منزلٍ خاصّ، استعاره من أحد أصدقائه، وكرَّر الذَّهاب معها إلى هذا المنزل مراتٍ ومراتٍ، لكنَّه بعد أن أنهى دراسته قرَّر أن يطلّقَها، سألته: لِمَ؟ قال: لأنَّ مستوى عائلتها لا يتناسب مع مستوى عائلته!!.

هذا ظلم، ولا بد من ردِّ المظالم إلى أهلها قبل دخول رمضان.

-     أبٌ سجّل كثيراً من أملاكه خلال حياته باسم اثنين من أولاده خوفاً من التَّأميم والاستملاك، وأعلَمَ ولديهِ بأنَّه يريد منهم ردَّ الحقوق إلى أهلها، وتقسيم هذه الأملاك مع بقية ما يترك حسب الإرث الشرعي إذا مات.

وبعد سنوات مات هذا الأب، فامتنع الولدان من إعطاء الأملاك لبقية الورَثة، وتوزيع الحصص حسب الإرث الشَّرعي!! وهم منذ سبع سنوات مع بقية الورثة يترافعون ضد بعضهم في المحاكم!

إنَّه ظلمٌ، ولا بدَّ من ردِّ المظالم إلى أهلها قبل دخول رمضان.

الظُّلم ظلماتٌ يوم القيامة، وما أحرانا أن نتفقَّد أعمالنا وحركاتنا وتصرفاتنا مع مَن حولنا، حتَّى إذا وجدْنا من أنفسنا ظلماً لأحدٍ من العالمين رددْنا له ظُلامَتَهُ، أو استسمحْناهُ قبل أن يدخل رمضان؛ لأنَّ الظَّالمَ لا يُرفَعُ له دعاءٌ، ولأنَّ الله تعالى أقسم أن ينصر دعوة المظلوم ولو بعد حين، ولأن النَّبيَّ r قال: «أتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُطُرَحُ فِي النَّارِ»([8]).

 

-     ثالثاً: الصُّحبة الصَّالحةُ، وتركُ صُحبةِ السُّوء.

كلمة السِّرِّ في صلاح الصَّالحين، وفي فساد المفسدين: "الصَّاحب".

فالاستعداد لرمضان يدعوك أن تترك رفاق المعصية، إلا أن تأتيَ بهم إلى أماكن الخير وأهله، فيصيروا رفاق طاعةٍ بعد أن كانوا رفاق معصية.

مهما أردتَ أن تعمل صالحاً أعانَك صاحبُ الخير، وأعاقَكَ صاحبُ السُّوء، فإن كنتَ تُحب رجلاً وكان سيِّئاً فادْعُهُ الآن ليَسلُكَ طريقَ الخير معك، فإن فعل سَعِدَ بك في الدُّنيا والآخرة، وإن لم يستَجِبْ فدَعْهُ، وانطلقْ مقبلاً على الله تعالى، ولا تلتَفِتْ إلى قُطَّاع الطَّريق.

قال الإمام القرطبي عند تفسير قول الله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ألا الْمُتَّقِينَ} [الزُّخرف: 67]: (ذكر الثَّعلبي t: كان خليلان مؤمنان، وخليلان كافران، فمات أحدُ المؤمنين فقال: يا ربِّ، إنَّ فلاناً كان يأمرني بطاعتك، وطاعة رسولك، وكان يأمرني بالخير وينهاني عن الشَّرِّ، ويخبرني أنِّي ملاقيك، يا ربِّ فلا تضلَّهُ بعدي، واهدِهِ كما هديتني، وأكرمه كما أكرمتني.

فإذا مات خليلُه المؤمن جمع الله بينهما، فيقول الله تعالى: لِيُثْنِ كلُّ واحدٍ منكما على صاحبه، فيقول: يا ربِّ، إنَّه كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشَّرِّ، ويخبرني أنِّي ملاقيك، فيقول الله تعالى: نِعمَ الخليلُ، ونعمَ الأخ، ونعمَ الصَّاحب كان.

قال: ويموت أحد الكافرين فيقول: يا ربِّ، إن فلاناً كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالشَّرِّ وينهاني عن الخير، ويخبرني أنِّي غيرُ ملاقيك، فأسألك -يا ربِّ- ألا تهديَهُ بعدي، وأن تُضِلَّهُ، وأن تُهينه، فإذا مات خليلُهُ الكافر قال الله تعالى لهما: لِيُثْنِ كل واحد منكما على صاحبه، فيقول: يا ربِّ، إنَّه كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويأمرني بالشَّرِّ وينهاني عن الخير، ويخبرني أنِّي غيرُ ملاقيك، فأسألك أن تضاعف عليه العذاب، فيقول الله تعالى: بئس الصَّاحب والأخ والخليل، فيلعَنُ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَهُ).

مجموعة من الأصحاب يسهرون كلَّ ليلة جمعة إلى ساعة متأخرةٍ من الليل، ويرتكبون في سهرتهم المعاصي، قبل رمضان بأسبوع قال أحدُهم: يا شباب، الخميس القادم رمضان، واحتراماً لرمضان سنتوقف عن هذه السَّهرة، وسنتفرغ للعمل والصِّيام وصلاة التَّراويح، وموعدنا القادم أوَّل خميس بعد رمضان!!

جدير بنا أن نستعدَّ لرمضان بوقفة تأمّلٍ طويلة في حال رفاقنا من أهل المعصية؛ لأنَّنا نخاف أن نجني من رمضان من الخير الكثير الكثير، ثمَّ نعود بعد رمضان إلى رفاق المعصية فنجلس معهم أو نسامرهم، فنخسر ما عمِلناه في رمضان بجلسةِ معصية بعد رمضان، أو بنظرةِ معصية أو بنزهةِ معصية، فنكون كالتي نقضتْ غزلها من بعد قوةٍ أنكاثاً..

فإن كان لك رفاق معصية فالمطلوب أحد أمرين:

1)      أن تدعوَهم إلى طريق الخير الذي سلكتَهُ، فإن استجابوا لك فهم أصدقاؤُك وأحبَّاؤُك وإخوانُك في الدُّنيا والآخرة.

2)      إن لم يستجيبوا لدعوتك إياهم للخير، وأصرُّوا على المعصية والفجور، فاعتذر عن صحبَتهم برفقٍ وأدبٍ، وانسحب من برامجهم بهدوء، وادعُ الله تعالى أن يهدي قلوبهم، ووالله، إنك لن تتركَ شيئاً لله إلا عوَّضك الله خيراً منه.

 

-     رابعاً: علوُّ الهِمَّة.

اعزمْ أن تستقبِلَ رمضانَ بقوةٍ في العبادة، ومضاءٍ في العمل، وعزيمةٍ في الصِّيام، وهِمَّةٍ في الإقبالِ على الخير، والابتعادِ عن الشَّرِّ، قال الله تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم:12]، {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الحديد:21]، {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148].

فلنستقبل رمضان بهممٍ عالية للطَّاعة، ولنستقبله بعزمٍ أكيد للإقبال على الله تعالى، وعزم على أعمال عظيمة من الصَّلوات والزَّكوات والصَّدقات، وحضور مجالس العلم، وقضاء حاجات الخلق، والسَّير في جبر خواطرهم، قال الله تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم:12]، وقال الله تعالى على لسان سيِّدنا موسى u: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه:84]، وقال الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران:133]، {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الحديد:21].

قوةٌ، واستعجالٌ للخير، ومسارعةٌ، ومسابقةٌ ...

ورسول الله r كان أعلى الخلق همةً، وأقربهم منزلةً، كان يدعو أصحابه، فيقول: «أَلَا مُشَمِّر لِلْجَنَّةِ، فَإِنَّ الجَنَّةَ لَا خَطَرَ لَهَا»([9])، ويقول r: «بَادِرُوْا بِالَأَعْمَالِ سَبْعَاً»([10])، ويقول r: «اغْتَنِمْ خَمْسَاً قَبْلَ خَمْسٍ»([11])، ويقول r: «صَلُّوْا وَاجْتَهِدُوْا»([12]).

اغتنامٌ ومبادرةٌ وتشميرٌ واجتهادٌ.

وهذه بعض الصور من علوِّ همم السَّلف في إقبالهم على الله عزَّ وجلَّ:

  • روى الحاكم عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: لما قُبضَ رسول الله r قلتُ لرجل من الأنصار: هلمَّ فلنسأل أصحاب رسول الله r فإنَّهم اليوم كثير، فقال: واعجباً لك يا ابن عبَّاس! أترى النَّاس يفتقرون إليك وفي النَّاس مِن أصحاب رسول الله r مَن فيهم؟! قال: فتركت ذلك، فأقبلتُ أسأل أصحاب رسول الله r عن الحديث، فإن كان ليبلغُني عن الرَّجل فنأتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه تسفي الرِّيح عليَّ من التُّراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عمِّ رسول الله r، ما جاء بك؟ ألا أرسلتَ إليَّ فآتيك؟! فأقول: لا، أنا أحقُّ أن آتيك، فأسأله عن الحديث، فعاش ذلك الرَّجل الأنصاري حتَّى رآني وقد اجتمع النَّاس حولي يسألوني، فقال: هذا الفتى كان أعقل منِّي([13]).
  • جاء في كتاب "تذكرة الحفاظ" في ترجمة الإمام عبد الله بن المبارك: أنَّه كان ينفق على الفقراء في كل عامٍ مائة ألف درهم، وقد جمعَ العلم، والفقه، والأدب، والنَّحو، واللُّغة، والشِّعر، والفصاحة، والزُّهد، والورع، وقيام اللَّيل، والعبادة، والحجِّ، والغزو، والفروسية، والشَّجاعة، والشِّدة في بدنه.

قال علي بن حسن بن شقيق: قمتُ مع عبد الله بن المبارك في ليلةٍ باردةٍ ليخرجَ من المسجد، فذاكَرَني عند الباب بحديث وذاكرتُه، فما زال يذاكرني حتَّى جاء المؤذنُ فأذَّن للفجر.

  • ذكروا عن سعيد بن المسيّب -سيد التَّابعين- أنَّه ما فاتتْهُ تكبيرةُ الإحرام مع الإمام أربعين سنة، وله صاحبٌ بقي أربعين سنة لا يؤذِّنُ المؤَذِّنُ ألا وهو في المسجد!
  • وكانوا يقولون: إذا رأيتَ الرَّجل يتهاونُ في التَّكبيرة الأوَّلى فاغسلْ يديك منه.
  • وكان أحمد بن حنبل يصلي في اليوم واللَّيلة مائة ركعة.
  • ويقول الإمام الشَّافعي: لولا التَّهجدُ في الأسحار ما أحببتُ البقاءَ في هذه الدَّار.
  • ويقول أبو سليمان الدَّاراني: ما أحبَّ المتقونَ البقاءَ في هذه الدُّنيا ألا ليطيعوهُ فيها.
  • ويقول أبو إسحاق السّبيعي: يا معشر الشَّباب، اغتنموا قوّتَكم وشبابَكم، قلَّما مرَّتْ بي ليلةٌ ألا وأنا أقرأ فيها ألف آية.
  • وتبرَّع سيِّدنا عبد الرَّحمن بن عوف بقافلة بضائع جاءته إلى المدينة، أوَّلُها بأوَّل المدينة، وآخرها بآخر المدينة.
  • وكان علي بن الحسين ينفقُ على مائة بيتٍ، لا يدري به أحد، حتَّى إذا مات انقطعَت النَّفقةُ عنهم، فعلموا أنَّه هو المنفِقُ.
  • وكان للإمام الشَّوكاني دروساً يومية تزيدُ عن عشرة دروس في فنون متعددة، وتقدَّمَ للإفتاء وهو في نحو العشرين من العمر.

فتعالوا نجتهدْ في الإقبال على الله تعالى في رمضان، وتعالَوا نرفع هممَنا حتَّى نذوقَ ما ذاقوا، وننالَ ما نالوا، حتَّى نزاحمهم على رتبهم، ونسابقهم إلى مرضاة الله تعالى.

الهمَّةِ في رمضان: همَّةٌ على صلاة الفجر في المسجد، وهمَّة على إتمام التَّراويح في كلِّ ليالي رمضان، وهمَّة في حضور مجالس العلم، وهمَّة في جبر خواطر الفقراء، وهمَّة في صلة الأرحام، وهمة في إغاثة المتضررين، وحمل مؤونة الضعفاء والمساكين.

هذه أمورٌ أربعة نستعد بها لرمضان:

1)      التَّوبة.

2)      ردُّ المظالم.

3)      الصُّحبة الصَّالحة.

4)      الهمَّة العالية.

والحمد لله ربِّ العالمين

 

*    *    *

 


([1]) أخرجه أبو داود في "سننه" [2/299]، والنَّسائي في "سننه" [2/119].

([2]) أخرجه النَّسائي في "سننه" [2/120].

([3]) أخرجه التِّرمذي في "جامعه" [5/548].

([4]) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (2449).

([5]) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (38)، ومسلم في "صحيحه" رقم (760).

([6]) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (37)، ومسلم في "صحيحه" رقم (579).

([7]) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (1901).

([8]) أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (2581).

([9]) أخرجه ابن ماجه في "سننه" [4/229].

([10]) أخرجه التِّرمذي في "جامعه" [4/552].

([11]) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" [12/476].

([12]) أخرجه أحمد في "مسنده" [3/239].

([13]) أخرجه الحاكم في "المستدرك" [1/188].