الجمعة 06 كانون أول 2019


من فقه الازمة 4

الجمعة 13/08/1434هـ 21/06/2013م - 2478 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 3.12 MB 27:15 mp3 mp3
مستند عالية doc 144.5 KB - doc
فيديو جيدة wmv 52.83 MB - wmv wmv

(من فقه الأزمة -4-)

قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النَّحل:43].

قال رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَن يُرِدِ الله بهِ خَيْرَاً يُفَقِّههُ فِي الدِّيْن» [رواه البخاري ومسلم].

أفرزَت الأزمة التي نعيش -والتي نسأل الله كشفَها بلطفه- مسائلَ فقهيةٍ احتاجها النَّاس، رأيتُ من المفيد بيانَ بعضها على منبر الجمعة لتعمَّ الفائدة ويصحَّ القول والعمل، وهذه مسألتان:

-    المسألة الأولى: ما حكم زكاة البضاعة الكاسدة؟ 

عند أحمد بضاعة فاخرة تستخدم أثاثاً فارهاً في المشافي والمطارات والفنادق والشَّركات الكبيرة، اشتراها منذ سنواتٍ ثلاثٍ، ولَمَّا نزل بالبلد ما نزل من أزمةٍ كَسَدَت هذه البضاعة عندَه فلم يَعُدْ يجد طالباً لها، سواءٌ بربحٍ أو بخسارةٍ، ما حكم دفع الزَّكاة في هذه البضائع؟ هل يجب عليه فيها الزَّكاة في كلِّ عامٍ أم تسقط لكَسَادها، أم ينتظر يوم بيعها ليدفع زكاتها؟

الجواب: البضاعة التي تبقى عند التَّاجر فترةً من الزَّمن كاسدةً متعثِّراً في بيعها، له أن يقطع نية الاتِّجار بها وينوي بها القُنية، وحينئذٍ تصبح من ممتلكاته الشَّخصية وليست من عروض التَّجارة، فتسقط عنها الزَّكاة، قال النَّووي في المجموع: (ثمَّ إذا صار المال للتَّجارة ونوى بها القُنية، صار للقُنية وانقطع حكم التَّجارة بلا خلافٍ) انتهى.

أمَّا إذا لم يقطع نيَّة الاتِّجار فجمهور العلماء يرون أنَّ السِّلع وإن بَارَتْ فإنها تقوَّم كلَّما حَالَ عليها حَوْلٌ هجريٌّ وتُزَكَّى.

لكن ذهب بعض المالكية إلى أنَّ البضاعة الكَاسِدَة لا يُزكى إلَّا ما بِيْعَ منها بالفعل، جاء في كتاب فقه الزَّكاة: (واختلف قول المالكية في التَّاجر المدير إذا بَارَتْ سِلَعُه وكَسَدَت بضاعته، هل يصير محتكراً فلا يزكِّي إلا ما باعه بالفعل، أم يظل مديراً فتقوَّم عروضه كلَّ عامٍ ويزكِّيها، قال سحنون: يصير محتكراً، خلافاً لابن القاسم. والحقُّ أنَّ رأي الجمهور أقوى دليلاً من رأي مالك...

ومع هذا قد يكون لرأي مالك وسحنون مجالٌ يؤخَذ به فيه، وذلك في أحوال الكساد والبَوَار الذي يصيب بعض السِّلع في بعض السِّنين، حتَّى لتمرّ الأعوام ولا يباع منها إلا القليل، فمن التَّيسير والتَّخفيف على مَن هذه حاله ألَّا تؤخذ منه الزَّكاة إلَّا عمَّا يبيعه فعلاً، على أَنْ يُعفى عمَّا مضى عليه من أعوام الكساد، وذلك لأنَّ ما أصابه ليس باختياره، ولا من صُنع يده) انتهى.

والنتيجة: أنَّنا نقول لأحمد صاحب البضاعة الكاسدة، إن كنت ميسوراً مقتدراً فادفع الزَّكاة أخذاً برأي الجمهور، ومراعاةً لمصلحة الفقير، وإن ضاقت بك الأمور وشقَّ عليك الأمر؛ فلا زكاة عليك في هذا المال،كما قاله بعض المالكية، حتَّى تبيعه، والله أعلم.

-    السؤال الثاني: ما حكم الزَّكاة في المال الذي لا يستطيع صاحبه وصولاً إليه؟

 عند خالد مستودع في منطقة اشتباكات مسلَّحة، فيه من البضائع ما يقوَّم بخمسة ملايين ليرة، لكنه منذ عامٍ لم يستطع الوصول إلى ماله، فهل تجب على خالد في ماله هذا زكاةٌ مادام بلغ نصاباً وحَالَ عليه الحول، أم تسقط عنه الزَّكاة؟

الجواب: تعلمون أنَّ الفقهاء اشترطوا في المال حتَّى تجب فيه الزَّكاة شروطاً خمسةً: أن يكون المال مملوكاً ملكاً تاماً لصاحبه، وأن يكون مالاً نامياً بالقوة أو بالفعل، وأن يبلغ نصاباً، وأن يَحُوْلَ عليه الحول، وأن يكون فاضلاً عن الحاجات الأساسية للمزكي.

وما يعنينا هنا الشَّرط الأول، وهو أن يكون المال مملوكاً ملكاً تامَّاً لصاحبه، ومعنى تمام الملك: أن يكون المال بيده، ولم يتعلق به حق غيره، وأن يتصرَّف به باختياره، وأن تكون فوائده حاصلةٌ له، وقيل: هو الحيازة والتَّصرف والاختصاص.

ومن هنا يتبين أنَّه لا زكاة على خالد في بضائعه الموجودة في مستودعه الذي لا يستطيع وصولاً إليه، فإذا تمَّكن خالد يوماً من بضائعه في هذا المستودع واستخرجها منه فلا زكاة عليه فيما مضى من سنواتٍ، وإنما يستأنف الحول بعد قبضه البضاعة، والله أعلم.

والحمد لله رب العالمين