السبت 24 آب 2019


سورة المرسلات 4

الاثنين 03/03/1434هـ 14/01/2013م - 1139 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 3.23 MB 28:07 mp3 mp3
فيديو جيدة wmv 53.99 MB - wmv wmv
مستند عالية docx 86.89 KB - docx

سلسلة التفسير

سورة المرسلات (4)

 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة، وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وعملاً متقبلاً يا أكرم الأكرمين. أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه. نسألك علم الخائفين منك، وخوف العالمين بك وبعد:

فهذا درس في تفسير خواتيم سورة المرسلات.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ }، [المرسلات: 41-50].

أقسم الله تعالى في مطلع سورة المرسلات بالرياح وبالملائكة {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ}.

من وعد الله تعالى قوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ}.

كان المتوقع أن يقال: إن المتقين سيكونون في ظلال وعيون، أي سيكونون في الجنة حيث الظلال والعيون، لكن الله عز وجل قال {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ} تأكيداً على أن هذا الأمر واقع مائة بالمائة.

أحياناً يكون لك صديق تاجر وأنت على ثقة كبيرة منه، فيقول لك: لا تؤاخذني فلم أحضر دفعة معي، فتقول له: اعتبرها وصلت، مع أنك لم تأخذ شيء، لكن من ثقتك المطلقة بأنه ملتزم بكلامه تقول له هذا الكلام.

فالله تعالى في مطلع الآيات أقسم بالمرسلات وبالملائكة على أن {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ}.

فيا أيها الإخوة والأخوات هذه الآية لكم إن شاء الله على أن تحافظوا على تقوى الله تعالى.

لا تصح خطبة خطيب جمعة عند الشافعي حتى يوصي الناس بتقوى الله تعالى.

أكثر من 250 مرة في القرآن الكريم تكلم الله فيها عن التقوى.

أقصر تعريف للتقوى: هي فعل المأمورات وترك المنهيات.

وهناك تعريف: أن يجدك الله حيث أمرك وأن يفتقدك حيث نهاك. 

لا تكون التقوى إلا بالعلم؛ لأن كثيراً من الناس يقعون في المعاصي، وفي ترك المأمورات وفعل المنهيات نتيجة الجهل.

قال بعض العلماء: الذنوب كلها مرجعها إلى أمرين اثنين: إما جهل، وإما ظلم.

عليك أن تتعلم ما أمرك الله به، وماذا نهاك عنه، ولتتعلم عليك بمجالس العلم وأمثالها فهي تعينك كثيراً على التقوى، وعلى الاستقامة؛ لأن الإنسان أحياناً ينسى وتغيب بعض الأشياء عن ذهنه.

لا يزال الصالحون ما داموا أحياء يجاهدون أنفسهم ويغالبونها على الانضباط بالشرع؛ لأنك في كل يوم معرض لمواقف إما أن توافق فيها الشرع، أو تخالف فيها الشرع.

عُنْ حُذَيْفَة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ:

عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.

وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)) [مسلم].

كل شاب لم تعرض عليه المرأة بالحرام فستعرض عليه.

كل امرأة لم يعرض عليها رجل بالحرام فسيعرض عليها ذلك.

كل رجل لم يعرض عليه قبض المال الحرام فليستعد؛ لأنه سيعرض عليه هذا الاختبار.

كل امرأة لم تتعرض لتناول المال الحرام فلتستعد؛ لأنها سيعرض عليها ذلك.

لولا الامتحانات لتساوى الجاهل والعامل، والمجتهد والمقصر؛ لذلك فالامتحانات هي سنة العقلاء في هذه الأرض، فلا تنتقل من صف الأول للثاني حتى تقدم الامتحان، ولا تنتقل للثالث إلا بعد الاختبار، وإذا أتيت بشهادة طب من خارج البلد فسيقولون لك: لا نعطيك الترخيص إلا بعد الاختبار.

يقول الله تعالى: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}.

 [العنكبوت: 1-2].

فلن ننال ظلاً وعيوناً وجنة إلا بعد الاختبار بالأمر والنهي.

أساس الأمر أن تكون عالماً بأمر الله في هذه المسألة، ونهي الله فيها، وإن لم تكن عالماً فمن المتوقع أن تخطئ كثيراً.

بعد علمك فأنت بحاجة أن تجاهد نفسك لتعمل؛ لأن النفس لا تريد أن تنضبط بشرع الله فأنت بحاجة إلى مغالبة هذه النفس حتى تحملها حملاً على التقوى.

جاء رجل إلى سيدنا عمر بن الخطاب فقال ما التقوى؟ فقال: هل اجتزت مخاضة طين يوماً؟ قال: نعم، قال: ماذا فعلت؟ قال: شمرت واجتهدت أن لا يصيبني الطين، قال: هذه هي التقوى.

أن تشمر هو التقوى ثم تجتهد أن لا تصاب بوسخ الحرام.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَوْمًا وَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا، فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ جِدَارٌ وَهُوَ فِي جَوْفِ الْحَائِطِ: عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، بَخٍ بَخٍ، وَاللَّهِ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ لَتَتَّقِيَنَّ اللَّهَ أَوْ لَيُعَذِّبَنَّكَ.

 [معرفة الصحابة لأبي نعيم].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللَّهِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللَّهِ، يَا أُمَّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ اشْتَرِيَا أَنْفُسَكُمَا مِنْ اللَّهِ لَا أَمْلِكُ لَكُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، سَلَانِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمَا))، [صحيح البخاري].

عن عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ خَطَّ الْخَنْدَقَ عَامَ حَرْبِ الأَحْزَابِ حَتَّى بَلَغَ الْمَذَاحِجَ، فَقَطَعَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا فَاحْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ سَلْمَانُ مِنَّا، وَقَالَتِ الأَنْصَارُ: سَلْمَانُ مِنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ((سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ))، [الحاكم].

وقال الله: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}، [المسد: 1] فكان عاقبته النار وهو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فما دمنا أحياء علينا أن نغالب أنفسنا للانضباط بالأمر وبالنهي.

وخلاصة الأمر والنهي ثلاثة أشياء: 

1-            ترك الحرام.

2-            إتقان الفرائض.

3-            أداء ما استطعت من النوافل.

فمن فعل هذه الأشياء فالله وعده بـ{إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ}، وحلف لنا {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ}.

لئن أظمأت نهارك في الدنيا، فإن الله وعد المتقين بظلال وعيون.

لئن خرجت من بيتك في وقت الظهيرة لأداء فريضة من فرائض الله، أو لصلة رحم، أو لسعي على أهلك بالحلال، وكنت منضبطاً بشرع الله، فلا تخف فأنت موعود بظلال وعيون.

عَنْ نَافِعٍ، قَالَ :خَرَجَ ابْنُ عُمَرَ فِي بَعْضِ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ أَصْحَابُ لَهُ، وَوَضَعُوا سَفْرَةً لَهُ، فَمَرَّ بِهِمْ رَاعِي غَنَمٍ، قَالَ: فَسَلَّمَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هَلُمَّ يَا رَاعِي، هَلُمَّ، فَأَصِبْ مِنْ هَذِهِ السُّفْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَتَصُومُ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ الْحَارِّ شَدِيدٍ سُمُومُهُ وَأَنْتَ فِي هَذِهِ الْجِبَالِ تَرْعَى هَذَا الْغَنَمَ؟! فَقَالَ لَهُ: أَيْ وَاللَّهِ، أُبَادِرُ أَيَّامِي الْخَالِيَةَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ -وَهُوَ يُرِيدُ يَخْتَبِرُ وَرَعَهُ-: فَهَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعَنَا شَاةً مِنْ غَنَمِكَ هَذِهِ فَنُعْطِيكَ ثَمَنَهَا وَنُعْطِيكَ مِنْ لَحْمِهَا فَتُفْطِرَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ لِي بِغَنَمٍ، إِنَّهَا غَنَمُ سَيِّدِي، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: فَمَا عَسَى سَيِّدُكَ فَاعِلا إِذَا فَقْدَهَا، فَقُلْتَ: أَكْلَهَا الذِّئْبُ، فَوَلَّى الرَّاعِي عَنْهُ وَهُوَ رَافِعٌ أُصْبُعَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَ: فَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ يُرَدِّدُ قَوْلَ الرَّاعِي، وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ الرَّاعِي: فَأَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعَثَ إِلَى مَوْلاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ الْغَنَمَ وَالرَّاعِي فَأَعْتَقَ الرَّاعِيَ، وَوَهَبَ منهُ الْغَنَمَ، [البيهقي].

مهما جاهدنا أنفسنا في الانضباط بالشرع، والائتمار بالأمر، والانتهاء عن النهي، فنحن موعودون بظلال وعيون.

خرج الحَجَّاجُ ذات يوم قائظ فأحضر له الغذاء فقال: اطلبوا من يتغذى معنا، فطلبوا، فلم يجدوا إلا أعرابيًّا، فأتوا به، فقال الحجاج: هلم أيها الأعرابي لنتناول طعام الغذاء، فقال الأعرابي: قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته، فقال: من هو؟! فقال: الله تبارك وتعالى، دعاني إلى الصيام فأنا صائم، فقال: تصومُ في مثل هذا اليوم على حره؟! فقال: صمت ليوم أشد منه حرًا، فقال: أفطر اليوم وصم غدًا فقال: أوَ يضمن الأمير أن أعيش إلى الغد؟ فقال: ليس ذلك إليَّ، فعِلْمُ ذلك عند الله فقال: فكيف تسألني عاجلاً بآجل ليس إليه من سبيل؟! فقال: إنه طعام طيب، فقال: والله ما طَيَّبَه خبازك وطباخك ولكن طيبته العافية، فقال الحجاج: بالله ما رأيت مثل هذا .. جزاك الله خيرًا أيها الأعرابي، وأمر له بجائزة.

قبل عشر آيات جاء ذكر حال أناس معاكسين كذبوا بالتقوى {انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} فمن لم يعمل بالتقوى واجترأ على أوامر الله فسيستهزأ بهم يوم القيامة بأن يقال لهم انطلقوا إلى الظل، ولكن صفة هذا الظل بأنه لا يغني من اللهب، بينما أهل الجنة في ظلال وليس في ظل واحد.

{وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} مما تتخير.

{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.

يا إخواننا الأمر يحتاج إلى عمل وتشمير، والوقت ضيق فلو سألتُ أحدكم له من العمر عشرين سنة، هل تتصور أنك من ربع قرن وأنت على هذه الأرض؟

الآن بما تبقى من أعمارنا فلنعمل حتى نأخذ غداً بالجنة رتباً عاليات.

عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ)).

[الترمذي].

 أي ما أردت أن تغرس فاغرس من الآن سواء بالأذكار، أو إيصال الخير للعباد، أو فعل الفرائض، أو ترك الحرام، أو التزام النوافل، سواء بالإكثار من ذكر الله، أو حفظ القرآن...

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْقَ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَ))، [الإمام أحمد].

تجدون أناساً يعملون بتعب في الإقبال على الله، فمن الممكن أن تصلي ركعتين قيام الليل، لكن هناك غيرك من يصلي عشر ركعات، مع ألم الأقدام وما زال مستمراً.

تحضر درساً في الأسبوع، وأخ لديه كل يوم مجلس علم.

يمكن أن تحفظ في كل شهر آية أو عشر آيات، لكن هناك أخ يُفرِّغ كل يوم ثمان ساعات للحفظ.

ربما تدعو لأجل مساعدة الأسر المتضررة عند الفراغ، لكن هناك أخ من يفرغ كل يوم ساعة من وقته لمساعدة الآخرين، وأحياناً هناك من يفرغ ساعتين، وثلاثة، فالله يقول: {هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.

قال لي أحد الأساتذة: -وهو يعمل في مشروع خيري كبير في هذا البلد- والله كنا ننام في مكاتبنا من أجل إقامة عمل إسلامي خيري في البلد.

مدرسة لا تفتح إلا بعد جهد جهيد، ومثلها معهد شرعي، أو كلية شرعية، أو مستوصف خيري، أو مستشفى... فكيف ستدخل الجنة بغير تعب؟!

وفي أثناء عملك لن تخلو من حاسد، أو حاقد، أو عدو، أو مغرض، أو مبغض... فلا مشكلة فأنا أريد ظلالاً وعيوناً.

بر الوالدين ليس سهلاً بل هو صعب جداً فمن الصعب أن يأمرك والدك أو والدتك بأمر مباح وأنت غير مقتنع به ومع ذلك تفعله براً بهما.

غض البصر ليس سهلاً لكن لا مشكلة  فـ{هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.يقول الشاب: كيف سأغض بصري في جو منفتح بطريقة غريبة جداً؟ يجب أن تغض بصرك؛ لأن الله وعدك {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ}.

{إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}.

أي سنجزي كل محسن؛ لذلك لا تخف فربما في الدنيا أحدهم يحسن ولا يذكره أحد، أو يمدحه أو يخبر به، فلا مشكلة لأن الله قد اختبأ لك الأجر للآخرة.

{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ}.

الذين لا يصدقون كلام الله فسيلقون هلاكاً.

 

 

 

{كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ }.

مهما طالت بكم الحياة فإن خاتمة المجرمين معروفة فالمحكوم عليه بالإعدام لو قالوا له كل واشرب ما تريد فإنه يعلم ما هي عاقبته، فهنا الله يذكرهم بخاتمتهم وهي الإعدام، فما هي فائدة نوع الطعام والنزهات التي ستذهب إليها.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ}.

هم قريش فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم للخضوع للحق لا يسمعوا.

وقيل: هو ركوع الصلاة.

في هذه الآية أيها الإخوة قصة جرت مع الإمام مالك.

عَنْ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ))، [البخاري].

إلا أن الإمام مالك والإمام أبو حنيفة يقولان: تسقط ركعتي تحية المسجد في أوقات الكراهةالتي ذكرت في هذا الحديث:

عَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: ((ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ)).

[الإمام مسلم].

بينما ذهب الشافعي إلى أن هذه الأوقات منهي عن الصلاة فيها إلا صلاة لها سبب.

دخل الإمام مالك المسجد النبوي الشريف -وهو إمام المدينة- بعد صلاة العصر، وجلس، فقال له غلام: قم واركع ركعتين تحية المسجد، فقام وصلى فلما انتهى جاءه طلابه فسألوه عن سبب صلاته وقد علَّمهم أن لا صلاة في هذا الوقت، فقال:خفت أن أدخل في قول الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ}.

أحياناً إنسان يجادلك في مسألة ويكون على خطأ، وأحياناً يكون على باطل ومع ذلك يبقى في الجدل، ويعيد في الحديث مرات عديدة لكي ينفذ قوله.

 

{فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ }.

لا يوجد حديث بعد موعود الله لأهل التقوى بالظلال والعيون، ولأهل الفجور بالعذاب والتخويف، فمن لم يؤمن بعد كل هذا فالله يقول {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} فلن يقتنع هذا الإنسان إذا لم يكن قلبه ليناً لكلام الله تعالى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين.