السبت 20 تموز 2019


فقه المعاملات المالية 3

الجمعة 02/06/1431هـ 14/05/2010م - 2507 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت جيدة mp3 2.77 MB 24:12 mp3 mp3
فيديو جيدة wmv 19.44 MB - wmv wmv
مستند (العرض التقديمي) عالية pptx 185.36 KB - pptx
مستند (التفريغ النصي الكامل) عالية docx 28.08 KB - docx

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة  14/5/2010 الشيخ الطبيب محمد خير الشعال

 

فقه المعاملات المالية ج (3)

 

الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله نحمده ونستعين به ونستهديه ونسترشده ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خير نبي اجتباه وهدى ورحمة للعالمين أرسله ،أرسله ربنا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون ولو كره المشركون ولو كره من كره .

اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد:

فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى فنحن في هذه الدنيا سنمر وسنذهب إلى دارٍ فيها المستقر ومن خاف في هذه الدنيا من الله أمن في تلك الدار ومن تجاوز حده في هذه الدنيا أخافوه في تلك الدار ونحن قوم ضعاف لا نطيق العذاب ولا نطيق البلاء ولا نطيق الحريق فقدموا لأنفسكم { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) } [الزلزلة] ثم أستفتح بالذي هو خير:

يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل:

{رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) } [النور]

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :

<< لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخواناً ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يكذبه ، ولا يحقره ، التقوى ها هنا ، ويشير إلى صدره ثلاث مرات ، بحسْب امرىءٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام ، دمه ، وماله ، وعرضه >>(رواه مسلم)

هذه هي الخطبة الثالثة والعشرون من سلسلة أسواقنا التجارية

هدف السلسلة أيها الإخوة : أن يحكم كل واحد منا شرع الله في المكان الذي يعمل فيه : في مكتبك في متجرك في معملك في المكان الذي تباشر فيه أعمالك.

وإن فعلت فأنت تفيد من هذه الخطب وإلا فلا.

تحدثنا : لماذا هذه السلسلة ، دعوة الإسلام إلى العمل ، متى يكون العمل عبادة ، حكم الإسلام في المال ، القرض وأحكامه في أجزاء أربعة ، أخلاقيات العمل في أجزاء أربعة ، أسباب سعة الرزق في أجزاء أربعة ، الرزاق ، التعلم مدى الحياة ، البر والإحسان في مكان العمل ، كيف تدعو إلى الإسلام وأنت في عملك ، وكنا نتحدث في خطبتين في فقه المعاملات المالية ومتابعة لما مضى

عنوان خطبة اليوم :

(( فقه المعاملات المالية في جزءها الثالث ))

 

كانت النتيجة العملية لأول خطبة في فقه المعاملات المالية أموراً ثلاثة :

 

أولها: اقرأ كتابا في فقه المعاملات المالية واعتني أكثر ما تعتني في ما يتعلق بمهنتك.

ثانيها: التحق بدورة في فقه المعاملات المالية مرة كل ثلاث سنوات.

ثالثها: اتخذ لنفسك مرجعا شرعيا في فقه المعاملات المالية ترجع إليه عند الحاجة.

 

وختمت الخطبة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :<<مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ>>(متفق عليه)

وللحديث رواية عند أب يعلى فيها زيادة <<ومن لم يتفقه في الدين لم يبالي الله به>>

 

وتحدثت خطبة الإسبوع الماضي عن قاعدتين عامتين في فقه المعاملات المالية :

 

القاعدة الأولى: الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم أي أن الحلال واسع والحرام ضيق فلا تحشر نفسك في الضيق لتترك السعة.

والقاعدة الثانية: في الحلال ما يغني عن الحرام أي أن حتى هذا الحرام الضيق يوجد له بدائل من الحلال بمعنى أننا في رحب من أمرنا يا أيها الإخوة ويا أيتها الأخوات في ما يتعلق بالحلال في أسواقنا التجارية وحديث اليوم أيضا عن قاعدتين ثالثة ورابعة في فقه المعاملات المالية تضاف إلى السابقتين .

القاعدة الثالثة:(( ما أدى إلى حرام فهو حرام ))

أيها الإخوة:

من المبادئ التي قررها الإسلام أنه إذا حرم شيئا حرم الطرق الموصلة إليه وحرم الأسباب التي تدخلك عليه وحرم الوسائل التي تدفعك إليه وحرم الذرائع التي تدلك عليه فعندما حرم الإسلام الزنا حرم مقدمات الزنا – الطرق التي توصلك إلى هذه الفاحشة عياذا بالله تعالى – من النظر والخلوة والمس وهذا من باب سد الذرائع حتى لا نصل إلى الهاوية وعندما حرم الإسلام الخمر زجر حاملها وعاصرها وآكل ثمنها سداً للذريعة ومن هنا عدَّ العلماء في أدلة الفقهاء دليلاً

أسموه سد الذرائع – الطرق والسبل التي توصل إلى حرام سدها الإسلام – الذرائع جمع ذريعة وهي كل وسيلة مباحة قُصد منها التوصل إلى مفسدة أو لم يقصد بها التوصل إلى مفسدة لكنها مفضية إلى هذه المفسدة ومفسدتها أرجح من مصلحتها .

ما حكم حفر بئر في طريق المسلمين؟

الأصل حفر البئر جائز لكن لما كان الحفر في طريق المسلمين وكان سيسبب ضررا لهم صار الحفر ها هنا حراما .

ما حكم بيع العنب لمن يتخذه خمراً؟

الأصل أن بيع العنب جائز لكن إذا تيقن البائع أن هذا المشتري سحوله إلى خمر صار بيع العنب هنا حرما سداً للذرائع

ما حكم تقديم خدمات صوتية إلكترونية في حفل سترتكب فيه المعاصي وستدار فيه المحرمات؟

الأصل أن تقديم الخدمات الصوتية والكهربائية والصحية والإلكترونية وسائر الخدمات حلال لكن لما كانت في هذه الحالة ستعين على المعصية والحرام صارت في هذه الحالة حرماً سداً للذرائع.

ما أدى إلى حرام فهو حرام ، ودليل سد الذرائع من القرآن الكريم قول الله تعالى: { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ... (108)} [الأنعام]

فهنا الله تعالى حرم سب الأصنام إذا تيقنت أنك إذا سببت هذا الصنم فإن من يعبدون هذه الأصنام سيسبون الله تعالى فسب الصنم ها هنا صار محرماً سدا للذرائع لأنه ما أدى إلى حرام فهو حرام.

الفائدة العملية من هذه القاعدة أيها الإخوة:

أن لا تعمل وأنت في سوقك التجاري في الحرام وأن لا تعمل في ما يوصل إلى حرام لا بيعا ولا شراء ولا أجاراً ولا استئجارا ولا توكيلاً ولا مشاركةً

جاء في كتاب حاشية الدسوقي وهو كتاب في فقه المالكية: (يحرم بيع الأرض لتتخذ خمارةً - فالأصل في بيع الأرض جائز لكن إذا أيقنت ان هذا المشتري سيحولها إلى خمارة - وكذا يمنع بيع الحربيين آلة الحرب من سلاحٍ أو كُراع أو سرج وكذا مساعدتهم في كل مايتقوون به في الحرب) أي أعداء المسلمين رجل يتاجر معهم فيبيعهم أسلحة فهذا ارتكب حراماً.

جاء في كتب الشافعية :

يحرم بيع مخدرٍ لمن يظن انه يتعاطاه على وجه محرم، - فلا يجوز لصيدلاني أن يبيع شابا حبوب أدوية تورث الإدمان وهو يعلم أن هذا الشاب أو هذه الفتاة أو هذا الرجل ليس مريضا مستوجبا لهذا الدواء الأصل في بيع هذه المواد الدوائية جائز ما دام بوصفة طبية صحيحة لكن لما كانت ستوصل إلى الحرام عند هذا الإنسان صار الحلال محرما سداً للذرائع – وثوب حرير لرجل يلبسه بلا ضرورة – يحرم بيع ثوب الحرير للرجال لأن الرجال محرم عليهم ارتداء الحرير والذهب ما لم تكن ضرورة لحالة مرضية أو نحوها – وكذا يحرم بيع سلاحٍ لنحو باغٍ وقاطع طريق وكذا بيع مسلم طعاما علم أو ظن أنه يأكله نهارا في رمضان – الطعام حلال لكن لمن علم أن هذا المشتري سيأكله في نهار رمضان إذا هو أعانه على معصية ما لم تكن ضرورة كمرض أو سفر أو نحو ذلك -).

 

ويلتحق بهذه المسألة بيع مكبرات الصوت لمن يتخذها في الباطل والورق لمن يطبع عليه كفرا أو إلحادا وكذا بيع المواقع على الإنترنت أو المساهمة في هذه المواقع إذا كان المشتري سيستخدم ذلك في الحرام يقينا وكذا بيع الألبسة الفاضحة لامرأة تلبسها في حرام ولا شك أيها الإخوة أن كل ما سبق يحرم إذا علم البائع أو المؤجر أو مقدم الخدمة قصد المشتري إما بقول المشتري : بأن يقول له أنا سأفعل كذا وإما بقرائن أحوال هذا المشتري ، إن كانت القرائن واضحة وتدل على أنه سيستخدمه في حرام فلا يجوز أن يعينه على الحرام لأنه ما أدى إلى حرام فهو حرام.

 

روي عن ابن سيرين أن قيماً – خادما – كان لسعد بن أبي وقاص في أرض له فأخبره هذا القيم عن عنب في أرضه أنه لا يصلح زبيبا ولا يصلح أن يباع إلى لمن يعصره خمرا ، فأمره سيدنا سعد ابن أبي وقاص بقلعه فقال: اقلعه وارمه أرضاً بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر.

 

فالقاعدة تقول أيها الإخوة ما أدى إلى الحرام فهو حرام وما أعان على الحرام فهو حرام وما احتيل به على الحرام فهو حرام وهذه قاعدة فقهية عريضة في فقه المعاملات المالية وإن كانت متعدية إلى سائر أبواب الفقه.

 

القاعدة الرابعة:

النية الحسنة لا تبرر الحرام


هل الغاية تبرر الوسيلة ؟ هل معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم <<إنما الأعمال بالنيات>> أن المهم في العمل النية مهما حسن العمل أو ساء ؟ هل النوايا الحسنة تبرر الأعمال السيئة هذه القاعدة : النية الحسنة لا تبرر الحرام ، تجيب على هذه الأسئلة فالحرام في الإسلام حرام مهما حسنت نية فاعله ومهما شرف قصده ومهما علت غايته والقاعدة العامة في الإسلام أنه لا يرضى أن يتخذ الحرام وسيلة لغايات محمودة بل يدعو الإسلام للغايات الحميدة والوسائل الحميدة ، إذا أردت ان تصل إلى غاية حميدة لابد أن يكون الطريق حميدا فمن جمع مالا من ربا أو سحت أو قمار او أي عمل محظور ليبني مسجدا أو ليحفر بئرا أو ليجري نهرا أو لينشئ مشروعا خيريا لم يشفع له نُبل قصده ليته لم يجمع المال من الحرام ولم ينشئ هذا المشروع الخيري ، لا يوجد شيئاً في الإسلام اسمه تبييض للأموال فالمال لا يبيض إذا جمع من حرام فوزرُ الحرام على من جمعه وإنشاء مسجد لا يعفيني أو يعفيك أو يعفي إنسان لأجل أن يستمر في جمع الحرام والغاية عندنا في الإسلام لا تبرر الوسيلة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

<<من جمع مالا من حرام ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إثره عليه>> (ابن حبان والحاكم)

وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

<<لا يكسب عبدٌ مالا حراما فيتصدق به فيقبل منه ولا ينفق منه فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث>>

لذلك لا يسول الشيطان لأحدنا أن يستمر في جمع مال حرام ثم يقول أنت ستكفل أيتام لتمحو هذا المال الحرام ، أنت ستنبني مدرسة أو مشفى خيرية لتمحو هذا الحرام ن أبدا لا تفعل دع الخلق للخالق ، أنت عليك بالحلال الصرف ثم الله يتولى أمر عباده وقد روى الإمام مسلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: <<أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا ، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ– جعل المؤمنين كأنهم الأنبياء – فَقَالَ : { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } ، وَقَالَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ – أي حاجا ومعتمرا - يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ>>

 

القاعدة تقول : النية الحسنة لا تبرر الحرام

نعم من زلة قدمه ووقع في حرام وجمع مال من حرام و الآن يتوب ، ماذا يفعل بهذا المال حرام

نقول له تصدق به لكن ليس الأمر لمن يخطط أن يجمع مالا من حرام ثم يتصدق ببعضه أو بكله فهذا لا يقبل . النية الحسنة لا تبرر الحرام.

يا أيها الإخوة :

 

هذه أربع قواعد عامة عرضتها لكم في هاتين الخطبتين:

1- الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم.

2- في الحلال ما يغني عن الحرام.

3- ما أدى إلى حرام فهو حرام.

4- النية الحسنة لا تبرر الحرام.


وبقية قاعدة خامسة مهمة جدا ساجعلها مادة خطبة الأسبوع القادم إن شاء الله وهي على درجة عالية من الأهمية لأن كثير من الناس يستخدونها أو ينطقون بها ولا ندري أيستخدمونها في مكانها أم في المكان الذي جمعت له هذه القاعدة

القاعدة تقول:الضرورات تبيح المحظورات

وسنتحدث تفصيلا ما معنى الضرورات ، وسنشاهد ان كل ما يقول الناس له أنهم مضطرون فهم مضطرون له فعلا أو أنهم ليسوا في الاضطرار.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

 

الحمد لله رب العالمين