الخميس 01 تشرين أول 2020
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (8095)

الثلاثاء 02 ذو القعدة 1435 / 26 آب 2014

تائب وخائف من عدم قبول توبتي، انصحوني


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الفاضل، أرجو منكم قرائتي لأنني ولله بحاجة للنصيحة. إرتكبت انا الشاب أشد أنواع الذنوب والكبائر، واليوم أشعر بألم كبير يعتصرني، لا أستطيع التنفس جيداً ولا أرتاح بالنوم، أشعر بالألم في بطني وفي رأسي وبداية السنة الدراسية على الأبواب وهي سنة حاسمة علي ويجب أن أجتهد جهداً ليس كمثله جهد. أعلم بأن الله غفور رحيم، وأعلم بأن الله أمرنا أن لا نقنط من رحمته، وأعلم كل الآيات التي خصت هذا الجانب من الرحمة والمغفرة وأنه الله سبحانه يغفر كل الذنوب إلا الشرك به. إلا أنني أخاف كثيراً من هذا لأنني أدرك معنى هذه الآيات وغرتني رحمة الله وقلت لنفسي أذنب وثم أتوب، وحين توبتي الآن أشعر بأنني كنت بآيات الله أستهزئ وألعب، فعصيت الله على أمل الرحمة ونسيت بأن الله شديد العقاب وأنه المنتقم كما هو الرحيم والجبار كما هو الرحمن وهو المذل كما هو المعز، أخشى أن أطرد من رحمة الله، أريد الراحة، والمغفرة، ولا أعلم إن غفر الله لي، ولأنني لا أعلم إن غفر الله لي فسوف أغوص في الحزن كما أنا الآن ولن أستطيع التركيز وسأبقى موجع متألم. انصحوني وارشدوني بارك الله فيكم

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

أخي الكريم:

قرأت في سؤالك لوعةً من الذنب، وحُرقة من المخالفة، وأملاً بالتوبة والأوبة إلى صراط الله المستقيم، فهنيئاً لك توبتك، راجياً من ربنا الغفور أن يُتِمَّ عليك سترَه وعونَه، وأن يكون إيمانُك رادعاً لك عما لا يرضى به الله تعالى..

اعلم -أخي- أنَّ الشعورَ الذي يلزمُك دليلُ حياة الإيمان في قلبك، فقد روى البخاري رحمه الله عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه أنه قال (إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا) بيده فوق أنفه.

وقد فتح الله تعالى برحمته لعباده باب التوبة حتى يفتحوا صفحة جديدة في حياتهم، ولا يعيشوا في سجن الأخطاء السابقة.

قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة:104]

فمن صفات الله جل وعلا أنه يقبل التوبة ويفرح بها كرماً منه وإحساناً، قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [الشورى:25]

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ» [متفق عليه]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ» [رواه ابن ماجه]

والتوبة معناها الرجوع إلى الله تعالى، والإقلاع عن المعصية، وبغضها، والندم على التقصير في الطاعات.

قال الإمام النووي رحمه الله: (التوبة واجبةٌ من كل ذنبٍ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط:

أحدها: أن يُقلع عن المعصية.

والثاني: أن يندم على فعلها.

والثالث: أن يعزم على أن لا يعود إليها أبداً.

فإن فقد أحد الثلاثة لم تصحّ توبته.

وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالاً أو نحوه ردَّه إليه، وإن كانت حدَّ قذفٍ ونحوه مكّنه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبةً استحلّه منها.

ويجب أن يتوب من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضها صحّت توبته -عند أهل الحق- من ذلك الذنب الذي تاب منه، وبقي عليه الباقي) ا.هـ.

وبناءً على ذلك: فإذا تحققت هذه الشروط في الشخص التائب فحريٌ أن تقبل توبته بإذن الله تعالى، ولا ينبغي بعد ذلك أن يلتفت لوسوسة عدم قبول التوبة أو انتقام الله تعالى منه بعد توبته؛ لأن ذلك من الشيطان وهو خلافُ ما أخبر به الله سبحانه وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم من قبول التوبة إذا كان التائب صادقاً مخلصاً.

ختاماً.. أنصحك بما يلي:

1- التزام مجلس علم أسبوعي.

2- اشغل نفسك بالاستغفار والأذكار المأثورة عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

3- عليك بالصحبة الصالحة، واهجر كل صاحب دلَّك أو ساعدك على ارتكاب أخطاء الماضي.

4- حاول جاهداً العفةَ بالزواج الحلال، وريثما يتم ذلك جاهد نفسك بالصيام؛ صيام الجسد عن الطعام (صيام الاثنين والخميس وغيرها من النوافل) وصيام القلب عن التفكر بالمعاصي.

5- ترك الاختلاط والنظر الحرام أو ارتياد الأماكن التي تثير الشهوة.

6- أكثر من الدعاء والالتجاء لله تعالى كي يعينك على العفة.

أسأل الله الكريم أن يثبتكم على الخير.

والله تعالى أعلم