الأربعاء 17 تموز 2019
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (7087)

الجمعة 23 ذو القعدة 1434 / 27 أيلول 2013

هل يتعارض وجود هدف بعيد لي مع عدم التفكر بالموت وحب الدنيا وطول الأمد؟


السلام عليكم.. أستاذي انا دراستي بمجال الإدارة والتنمية البشرية, وهذا المجال يتطلب مني أن اكون صاحب هدف بعيد, وأن احفز من حولي بأن يكون ذو أهداف بعيدة الأمد -ممكن تكون لبعد 30سنة او أكثر-, ولكني قابلت بعض المشايخ الذي يقولون أن هذا الشي لا يجوز, ويعتبر من أطالة الأمد ونسيان الموت والرضاء بالدنيا ..فماذا يكون الرد؟

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:


الإسلام دين إعمال العقل ودراسة الاحتمالات، وليس دين الجمود والاستسلام، والمسلم يخطط لدنياه وما بعدها، ويضع هدفه رضا الله والجنة، ثم يعمل لبلوغ هذا الهدف.


 والناظر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى عظيم تخطيط رسول الله صلى الله عليه وسلم في أموره، وحسن دراسته لظروفه.


ولا يتعارض إعمال العقل والتخطيط للمستقبل مع إيمان المؤمن بالموت وما بعده, فقلبه معلقٌ بالهً وجنته, وعقله مشفولٌ بالتدبر والتفكر والتبصر.


جاء في كتاب: "في فقه الأولويات.. دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة":
(إذا كنا نقول بضرورة سبق العلم على العمل في أمور الدين، فنحن نؤكد ضرورة ذلك في شؤون الدنيا أيضاً، فنحن في عصر يؤسس كل شيء على العلم، ولم يعد يقبل الارتجال والغوغائية في أمر من أمور الحياة، فلابد لأي عمل جاد من الدراسة قبل العزم عليه، ولابد من الإقناع بجدواه قبل البدء فيه، ولابد من التخطيط قبل التنفيذ، ولابد من الاستعانة بالأرقام والإحصاءات قبل الإقدام على العمل.
ولقد ذكرت في كتب ودراسات أخرى لي: أن الإحصاء والتخطيط والدراسة قبل العمل، كلها من صميم الإسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم كان أول من أمر بعمل إحصائي منظم لمن آمن به بعد هجرته إلى المدينة. ولقد ظهر أثر التخطيط في سيرته في صور ومواقف شتى.
إن هذا كله لا يعرف إلا بالعلم والدراسة الموضوعية، البعيدة عن حكم العواطف، المتحررة من تأثيرات الظروف الشخصية والبيئية والوقتية ما استطاع الإنسان أن يتجرد، فإن التحرر الكامل والمطلق يكاد يكون مستحيلا).


ثم إن المسلم مأمور بعمارة الأرض في قوله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}, [هود: 61]، والتخطيط أحد خطوات هذا الإعمار، فنحن مأمورون أن نقوم به على أفضل شكل وأحسن حال.


بل إن الإسلام هو مَن علمنا التخطيط للدنيا وما بعدها، ودعانا أن نعلق كل الدراسات والخطط المستقبلية التي نقوم بوضعها على المشيئة الإلهية بقوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}, [الكهف: 23، 24].


والمحذور في التخطيط عند المسلم أن يسلك طريق الأسباب ويعتمد عليها ويظنها كل شيء ناسياً أقدار لله وأحكامه.


ولئن مات لدى المسلم تخطيطه فقد مات أمله، ولا يستطيع امرؤ أن يعيش بغير أمل، فالأمل هو المحرك الذي يدفعه نحو النجاح والتميز، في حين لو فقد هذا الأمل خمل الإنسان وركن إلى الأرض وقعد عن طلب الفضائل.


ولا يعني قصر أمل المسلم تركه للتخطيط ودراسة المستقبل، إنما هو إيمانه بالموت ووعيه بهذه الحقيقة، وأنه في كل لحظة عرضة للموت الذي يأخذه من مخططاته وآماله، فعند ذلك لا تشغله الدنيا عن الآخرة ويكون كمن قال: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً).


والله تعالى أعلم