الأربعاء 22 كانون ثاني 2020
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (6672)

السبت 14 رمضان 1434 / 20 تموز 2013

بعد فترة من الالتزام ركنت إلى الحياة الدنيا


السلام عليكم شيخي الفاضل وبعد : أنا شاب في 26 من عمري وبعد فترة من الإلتزام بدين الله خبت همتي فجأة وتوليت وركنت إلى الحياة الدنيا,-تركت الصلاة وحفظ وتلاوة القرآن والتبليغ وصرت مقارفا للذنوب- وكلما أردت الرجوع إلى ما كنت عليه لا أستطيع أن أصبر وسرعان ما أفسق من جديد ,ولقد كنت دائم الإستعاذة بالله من الفسوق والكفر بعد الإيمان ومن النفاق و ما حصل معي كان صدمة عظيمة وإلى الآن أعيش حالة من الذهول كيف حصل ذلك؟؟؟ ومن كثرة الفشل في العودة إلى الإلتزام أصبحت يائسا فهل ينطبق علي قوله تعالى: "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176) ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177(" ؟ هل أكون من أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم؟

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:


أخي الحبيب:


لتهنأ أن جعل الله لك واعظاً من قلبك، يدعوك إلى ربِّك، ويدفعك إلى دربه، فالله أسأل أن يُتِمَّ لك الخير، وأن يرزقك إيماناً لا يرتدّ، وقرَّة عينٍ لا تنقطع، ومرافقة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم في أعالي جنانه، ومهما أردت معونةً على الخير فأنا بخدمتك.


بدايةً: لاشك أنَّ السَّهو والتَّقصير من طبع الإنسان، وأنَّ المكلَّف لا ينفكُّ من تقصير في طاعةٍ، أو سهوٍ وغفلةٍ، أو خطأ ونسيان، أو ذنبٍ وخطيئةٍ، فكلُّنا مقصرون.. ومذنبون... ومخطئون..، نُقبِل على الله تارةً ونُدبِر أُخرى، نُراقب الله مرةً، وتُسيطر علينا الغفلة أُخرى، لا نخلو من المعصية، ولابُدَّ أن يقع منَّا الخطأ، فلسنا بمعصومين.


ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» [رواه مسلم].
وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» [رواه الترمذي].


وبما أنَّكِ عقدت العزم على هجر المخالفات وأردت عنها رفعةً فسهلٌ عليك أن تنخلع ممَّا أنت فيه وتحتفظ بالسَّير على الدَّرب الذي أراده الله لكِ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153].


اعلم -أخي- أنَّ الحياة مجموعةٌ كبيرةٌ من المحطَّات، إذا وقفنا عند كلِّ محطةٍ مدَّةً لا تتناسب معها ضاع العمر ومضت الحياة دون فائدةٍ تُرجى أو عملٍ ينفع.


أرى أنَّ أوَّل خطوةٍ يبدأ بها الإنسان في طريق الله هي التَّوبة، فمن رحمة الله بهذا الإنسان الضَّعيف أنَّه فتح له باب التَّوبة، وأمره بالإنابة إليه، والإقبال عليه، كلما غلبته الذُّنوب ولوَّثته المعاصي، ولولا ذلك لوقع الإنسان في حرجٍ شديدٍ، وقصُرت همَّته عن طلب التَّقرب من ربِّه، وانقطع رجاؤه من عفوه ومغفرته، فالتَّوبة من مقتضيات النَّقص البشري، ومن لوازم التَّقصير الإنساني.
قال جلَّ وعلا: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} [طـه:82].
وقال جلَّ شأنه: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:135]
وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً} [النساء:110].


ومن صفات الله جلَّ وعلا أنَّه يقبل التَّوبة ويفرح بها كرماً منه وإحساناً، قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [الشورى:25].
وقال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة:104].
وروى مسلم في صحيحه: عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِيَّةٍ مَهْلَكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ».
وعَنْ أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» [رواه مسلم].
إنَّ بركات التَّوبة عاجلةٌ وآجلةٌ، ظاهرةٌ وباطنةٌ، وثواب التَّوبة طهارة القلوب، ومحو السَّيئات، ومضاعفة الحسنات، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم:8].


وثواب التَّوبة الحياة الطَّيبة التي يظلِّلها الإيمان والقناعة والرِّضا والطَّمأنينة والسَّكينة وسلامة الصَّدر، قال الله تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود:3].
وثواب التَّوبة بركاتٌ من السَّماء نازلةٌ، وبركاتٌ من الأرض ظاهرةٌ، وسعةٌ في الأموال والأولاد، وبركةٌ في الإنتاج، وعافيةٌ في الأبدان، ووقايةٌ من الآفات، قال الله تعالى عن هود عليه الصلاة والسلام: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود:52].


والتَّوبة معناها الرُّجوع إلى الله تعالى، والإقلاع عن المعصية، وبغضها، والنَّدم على التَّقصير في الطَّاعات.
قال النَّووي رحمه الله تعالى: (التَّوبة واجبةٌ من كلِّ ذنبٍ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحقِّ آدمي فلها ثلاثة شروط:
أحدها: أن يُقلع عن المعصية.
والثَّاني: أن يندم على فعلها.
والثَّالث: أن يعزم على أن لا يعود إليها أبداً.
فإن فقد أحد الثَّلاثة لم تصحَّ توبته.
وإن كانت المعصية تتعلق بآدميٍّ فشروطها أربعة: هذه الثَّلاثة، وأن يبرأ من حقِّ صاحبها، فإن كانت مالاً أو نحوه ردَّه إليه، وإن كانت حدَّ قذفٍ ونحوه مكَّنه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبةً استحلَّه منها.
ويجب أن يتوب من جميع الذُّنوب، فإن تاب من بعضها صحَّت توبته -عند أهل الحقِّ- من ذلك الذَّنب الذي تاب منه، وبقي عليه الباقي) ا.هـ.


وبناءً على ذلك: فإذا تحقَّقت هذه الشُّروط في التَّائب فحريٌ أن تقبل توبته بإذن الله تعالى، ولا ينبغي بعد ذلك أن يبتلى بوسوسة عدم قبول التَّوبة؛ لأنَّ ذلك من الشَّيطان وهو خلاف ما أخبر به الله سبحانه وأخبر به رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم من قبول التَّوبة إذا كان التَّائب صادقاً مخلصاً.


ثمَّ أنصحك بما يأتي:
1)
التزام مجلس علمٍ أسبوعيٍّ، واتخاذ مربٍّ تثق بعقله ودينه ليكون لك مرشداً.
2) اشغل نفسك بالاستغفار والأذكار المأثورة عن سيدنا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم، واعلم أنَّ النفس تأبى التزاماً وتتطلع إلى التفلُّت عن كلِّ قيدٍ وضابطٍ، ولن تساعدك على تفادي هذا الخطر، وإنَّك إن لم تشغليها بالخير شغَلَتك بالشَّر، فاحملها على ما تكره ممَّا ينجيك، ولا تلتفت لرغباتها وشهواتها، واحذر خطوات الشَّيطان وأساليبه وحيله التي تجتمع لترديك.
3) تحرَّ الصُّحبة الصَّالحة، واهجر كلَّ صاحبٍ دلَّكَ أو ساعدك على ارتكاب أخطاء الماضي، وابتعد عن المعاصي وعن جوِّها وعن أصحابها.
4) أكثر من الدُّعاء والالتجاء لله تعالى لعلَّ الله أن يثبتك، ولتكثر من الدُّعاء: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:286].
5) أكثر من الصَّالحات، فالعمل الصَّالح يجرُّ صالحاً، ويُصلِح الباطنَ صلاحُ الظَّاهر، فأكثر من الصَّالحات، واشتغل بالنَّافعات، واجتنب الشُّبهات، ولا تبذل نفسك للشَّهوات، وتأكَّد أنَّ ما عند الله خيرٌ وأبقى للمؤمنين والمؤمنات.
أمَّا الآية التي وردت فقد جاءت فيمن كفر بآيات الله بعد إيمانه -كما في التفسير-، ولست منهم والحمد لله، فالإيمان عامرٌ بقلبك.


سألت الله لك معونةً منه وفضلاً، وأن يهبك صلةً خاصَّةً بجنابه الكريم، ونوراً في الوجه وصلاحاً في السَّريرة وحلاوةً في القلب.


والله تعالى أعلم