الجمعة 06 كانون أول 2019
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (1286)

الاثنين 24 ربيع الأول 1431 / 08 آذار 2010

هل أطيعه وأخسر ذلك الجو الديني؟


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قلة من رجال الدين من أثق بعلمهم وعقلهم ومدى إخلاصهم لدينهم ومدى ورعهم ووعيهم العام لجميع حوانب الحياة , والحمد لله أن في بلدنا من تنطبق عليه هذه الصفات والتي لمستها في شخصكم الكريم. سيدي الفاضل : قصتي طويلة كثيراً ومعقدة ولا تتسع الصفحات لسردهاولكن سأذكر النقاط الأساسية فيها وسأترك لكم ولخيالكم الخصب وخبرتكم الكبيرة في الحياة ان تكملوا لأنفسكم رسم الصورة الحقيقية لمعاناتي. بلغت من العمر السابعة والثلاثين ولم أزل بدون زواج , والدي له من العمر ثلاث وسبعون عاماً, يسكن في مدينة حماة وحميع إخوتي يسكنون معه وأنا أسكن في دمشق وأعمل في المصرف التجاري السوري وأريد أن أستقر في دمشق لما لها من حب كبير في قلبي . بفضل الله ومنته أنا إنسان ملتزم بتعاليم ديني , أتحرى الحلال ولا أقرب الحرام بكافة أنواعه , متابع لمجالس العلم في المساجد وأجد متعة لا توصف في حضورها وفي مجالسة أهل العلم, اتمنى أن أتزوج من فتاة شامية أصيلة ذات دين وخلق ونسب وأن أستقر في دمشق . منذ سنوات والمشكلات قائمة بيني وبين أبي حيث أنه يريدني أن أعود إلى حماه وأتزوج من هناك وأستقر في قريتنا وهذا ما لا أريد وطالما أنا موجود في دمشق لن يقدم لي اية مساعدة للزواج وأنا غير قادر على ذلك من دون مساعدة الأهل . سيدي الفاضل : أعرف أن طاعة الوالدين واجب ولكن رحم لله أياً أعان إبنه على بره . طوال حياتي كلها لم أشعر أن لي أباً , عديم الرجمة بزوجه وبأولاده لا يعرف إلا الضرب والشتائم اللاذعة والصراخ بأقذع العبارات ولأوصاف , قاطع لرحمه , سئ العلاقة كثيراً معهم حتى أني تصور يا سيدي كثير من أقاربي لا اعرفهم , علاقته سيئةجداً مع أمي ومع جميع إخوتي إلا الأخ الأضغر فهو المدلل الذي لا يرد طلبه وهو المرفوع غلى كفوف الراحة والمؤمن له جميع رغباته وجميع آرائه مسموعة , أما الآخرين فكأنهم أعداؤه , دمر لهم حياتهم وحطم لهم شخصياتهم وظلمهم بما لم يظلم فرعون موسى به قومه وخصوصاً البنات : لم يتق الله في تزويجهن من أهل الدين والخلق وفي نصيبهن من الميراث فعاقبه الله على ذلك بإتلاف المال والصحة حتى وصل إلى درجة الكفر بأنعم الله وبات يخاف الفقر على نفسه وعلى أحفاده من بعده خوفاً لآ أقول إلا أنه خوفاً مرضياً . سيدي الفاضل : طوال حياته معنا كان وجوده في البيت مصيبة حقيقية وخروجه منه هو العيد بعينه , كلامه الحلو للآخرين وخصوصاً النساء وخيره للغريب قبل الفريب , لفد نزع الله من قلبه الرحمة فهل تصدقون يا سيدي بأن له أخاً توفي وترك من ورائه زوجة شابة وأطفالاً صغاراً بحاجة إلى من يمسح على رؤوسهم ويعوضهم غياب الأب , هل تصدقون بأنه منذ أن توفي أخوه منذ خمسة وثلاثين عاماً لم يدخل بيتهم أبداً ولم يكلف نفسه عناء السؤال عن الأولاد ومتابعة تربيتهم وهو الذي يدعي أنه من أهل الدين والإيمان وأنه الأكثر ثقافة وعلماً بالدين . هل تصدقون يا سيدي أن إنساناً يدعي العلم والثقافة يرفض أن يتابع إبنه تحصيله الجامعي بحجة أنه غير قادر مادياً( وهو القادر على ذلك )وبحجة أنني حصلت على وظيفة في الدولة ولا داع لمتابعة دراستي الجامعية . المصيبة يا سيدي أنه إنسان عنيد جداً ومتشبث برأيه لأبعد الحدود وشعاره إذا لم تكن معي فأنت ضدي وأنه قد مر على ذلك زمناً طويلاً وقد تبدلت لديه الحقائق والثوابت وحلت محلها حقائق أخرى راح ينكر من خلالها كل ما حصل ويصور نفسه على انه الأب المثالي الذي يريد الأحسن والأكمل لأولاده وراح يصفني بالعاق و بالمجنون بعدما إضطرني لأن أترك دراسة علم النفس التي أحب بعدما وصلت السنة الثالثة وقررت أن أترك الدراسة كلياً لكنني لم استطع فغيرت مجالي إلى دراسة الأدب الانكليزي وأنا الآن على وشك التخرج ورغم ذلك لم أنجو منه. سيدي : إن الله سبحانه لديه قوانين يجب أن يسير عليها الانسان حتي يستحق أن يكون ما خوله الله إياه. فالأب يجب أن يتق الله في أولاده وفي زوجه وألا يكون كما يقول المثل الشائع ( في الخارج شحرور وفي الداخل دبور ) يجب أن يعلمهم أمر دينهم ,ان يبني أرواحهم ونفوسهم كما يبني أجسامهم . ماذا علي أن أفعل ؟ هل أطيعه وأخسر ذلك الجو الديني الذي أعيشه علماً أنني عندما أسافر لرؤية أهلي صدقني أنني بالكاد أتذكر الصلاة وإذا صليت أصلي صلاة جوفاء, هل أطيعه وأخسر ذلك الجو الديني الذي أعيش وأخسر ما ينتظرني من منصب متوقع في عملي ودخل قادم سيعينني على الزواج . أفيدوني سيدي الفاضل بما علمكم الله والله ولي التوفيق .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله و بعد:

  

يقول الله تعالى: { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [العنكبوت:8]

ويقول سبحانه: { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ لقمان :15 ]

 

أمام هاتين الآيتين لا نملك إلا الإحسان في صحبة الوالد ، والسلام عليه، والاطمئنان على صحته، وتقديم هدية مادية له -ما لم يأمر بمعصية-، فنحن نعامل رب البشر ونمتثل أمره، ولا ننظر لجزاء البشر، ولاسيما إن كانت أفعالهم سلبية.

من حقك أن تعيش في المكان الذي يناسبك، خاصة إن كان يعينك على الطاعة وتحصيل الرزق الحلال.

لم يظهر في السؤال طبيعة عملك في المصرف الربوي الذي ذكرت، أنصحك  أخي الكريم أن تبحث عن مصرف إسلامي يستفيد من خبرتك العملية، وتستفيد أنت من فرق الراتب ، لأن تحري الرزق الطيب (الرزق الحلال؛ البعيد عن الشبه والمحرمات) سبب هام في سعادة الإنسان وتوفيقه.

 

ثم إننا نرى أن تتابع تقدمك في بناء نفسك -على أصول موافقة للشرع- من دون النظر إلى ما يقدمه الآخرون لك -حتى وإن كانت الإعانة من الأب-، وأن ترسم لنفسك خطة منهجية تستوضح من خلالها صحة سيرك وتقدمك، ومع ذلك تسدد وتقارب لتحصل على رضا الوالدين، فإن وجدت في ذلك شيئاً من الخسارة المادية أو المعنوية لديك فاعلم أن الخسارة في طلب البر لا بد أن تتحول يوماً إلى ربح وتوفيق.

 

ثم إنا لا نرى مانعاً أن تتزوج فتاة من بلدتك وتهيء مسكناً في الشام تستقر فيه مع أهل بيتك لتتابع حياتك، فمجرد منشأ الزوجة في الشام لا يعني صلاحها لك، ولعل فتاة من بلدتك وجِلدَتك تلقى معها السكن في حياتك، وتكون نقاط التقارب بينكما أكثر من أن تكون من غير بلدتك، وربما على هذا الأساس بنى والدك فكرته -التي رجح صوابها-.

وفي الختام أرجو أن لا تجد في قلبك على والدك، وأن تسيطر على طريقة تصرفاتك معه، وأن لا تلقي مسؤولية تأخر زواجك عليه، فإن أعطاك الله لم يمنعك أحد، وإن منعك الله لم يعطك أحد.

أرجو الله الكريم  أن يرزقك رزقاً طيباً ، و يستعملك عملاً صالحاً، ويوفقك لكل خير.

والله تعالى أعلم.