الخميس 14 تشرين ثاني 2019
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (11847)

الأحد 02 ذو الحجة 1439 / 12 آب 2018

موضوع إثبات الهلال في أستراليا.


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نحن نعيش في أستراليا منذ حوالي 3 سنوات، و لدى الجالية المسلمة أشكال في إثبات بداية الشهر القمري (رمضان شوال أو ذي الحجة خصوصا) المسلمون منقسمون هنا للأسف بعضهم يقول أنه يجب رؤية الهلال محليا في أستراليا حصرا و يثقون بفئة قليلة ممن يتحرون الهلال حتى إذا جائهم شاهد على رؤية الهلال من غير "الثقات" لا يأخذون بشهادته...و البعض الآخر بقول أن يجب اتباع بلاد المسلمين عامة ممن يرصدون الهلال و نتفق معهم ببضع ساعات من الليل فإذا أثبت رؤية الهلال في هذه الدول اتبعوهم و ذلك حفاظا على وحدة المسلمين...و البعض الثالث يتبع الرؤية العلمية أي فلكيا... نحن في حيرة خصوصا أنك ترى نصف المسلمين يصوم و النصف الآخر مفطر في أول يوم أو آخر يوم من رمضان...و كذلك في عيد الأضحى تجدهم كل يقيم صلاة العيد في أيام مختلفة... ما رأيكم و ما الأصح

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أخي السائل:

أهلاً وسهلاً بك في موقعنا، وأشكرك على تحريك الحلال والحرام في أمورك جميعها.

مسألة الرؤية للهلال والاكتفاء برؤية موحدة، أو اتباع كل بلد رؤيتهم هي من المسائل القديمة والتي كثر حولها البحث، وقد ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن الرؤية الواحدة كافية لعموم بلاد الإسلام.

وذهب الإمام الشافعي إلى قول باختلاف المطالع ولكل أدلة. 


1ً- ذهب جمهور أهل العلم منهم أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى القول الأول، عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا" متفق عليه من حديث ابن عمر، وقالوا الخطاب عام لجميع المسلمين، ولا عبرة باتفاق المطالع واختلافها.

2ً- وذهب الإمام الشافعي وجماعة من السلف إلى القول باختلاف المطالع، وقالوا إن الخطاب في الحديث نسبي فإن الأمر بالصوم والفطر موجه إلى من وجد عندهم الهلال، أما من لم يوجد عندهم هلال فإن الخطاب لا يتناولهم إلا حين يوجد عندهم، وهذا القول هو الراجح.

والقول بعدم اعتبار اختلاف المطالع يخالف المعقول والمنقول، أما مخالفته للمعقول فلمخالفته لما هو ثابت بالضرورة من اختلاف الأوقات، وأما مخالفته للمنقول فلأنه مخالف لما أخرجه مسلم وغيره، عن كريب قال: قدمت الشام واستهل عليّ هلال رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟. فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا. هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكل بلد رؤيتهم.
وأما ما يثبت به رمضان فهو رؤية هلال رمضان ولو من واحد عدل، أو بكمال شعبان ثلاثين يوماً إذا كانت ليلة الثلاثين منه صحوا، فإن فيها غيم أو سحاب أو نحو ذلك، فقد اختلف في الحكم هنا أهل العلم، وخلافهم فيه ناشئ عن اختلاف فهمهم في المراد من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: "فإن غمَّ عليكم ـ يعني هلال رمضان ـ فاقدروا له" المتفق عليه.

 فذهب أحمد وطاووس وطائفة قليلة إلى أن معناه: ضيقوا له العدد، كقوله تعالى في "سورة الطلاق الآية:7": {ومن قدر عليه رزقه} أي ضيق، وقوله تعالى: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} [الشورى: 12]، ومعنى التضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً، وإذا كانت السماء ليلة الثلاثين من شعبان ذات سحاب أو غيم ونحوه مما يحول دون رؤية الهلال يصام اليوم التالي، ويقدر الهلال تحت السحاب. قالوا: وقد فسر ابن عمر هذا الحديث بفعله، وهو راويه وأعلم بمعناه، فوجب الرجوع إلى تفسيره، فقد أخرج أبو داود أن نافعاً قال: كان ابن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون، بعث من ينظر الهلال، فإن رأى فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطراً، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائماً".
وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي ، وهي رواية عن احمد ، وجمهور السلف إلى أن الشهر يثبت برؤية الهلال، أو إكمال العدة ثلاثين يوماً ، وأن صيام يوم الغيم لا يجزئ عن رمضان. وقالوا إن معنى فاقدروا له أي: قدروا تمام العدد ثلاثين يوما ، واحتجوا ببقية الروايات ، مثل : " فاقدروا له ثلاثين، وهي مفسرة للرواية المطلقة "فاقدروا له".
وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير وأبو العباس بن سريج وابن قتيبة وآخرون معناه قدروه بحساب المنازل. وقالوا: إن الشهر يثبت بالحساب الفلكي.
والراجح أن الشهر يثبت برؤية الهلال، فإن غّم أكمل ثلاثين يوماً، وهو قول جمهور العلماء، لأن القول بتقديره تحت السحاب والغيم منابذ لصريح باقي الروايات، والقول بحساب المنازل مردود بما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا}. قال ابن حجر "والمراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة، والمقالة محمولة على أكثرهم، لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب هنا: حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النزر اليسير، فعلق الصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك. بل ظاهر السياق ينفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً".
وقال النووي: " فالصواب ما قاله الجمهور، وما سواه فاسد مردود بصريح الأحاديث السابقة".

وقد قرر المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الرابعة المنعقدة بمكة بتاريخ 7-17 ربيع الآخر سنة 1401هـ في قراره الأول أن العمل بالرؤية في إثبات الأهلة لا بالحساب الفلكي.

فما وقع بين المسلمين المقيمين في أستراليا من اختلاف في رؤية هلال شوال من كون بعضهم أتم شهر رمضان لعدم رؤيته الهلال وبعضهم أفطر تبعاً لمن أعلن رؤيته قد وقع في بلدان أخرى أيضاً مثله قديماً وحديثاً، لأن هذه المسألة محل خلاف قديم بين أهل العلم رحمهم الله، وهي من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف، ولذا لا ينبغي أن تكون سبباً للفرقة والنفرة بين المسلمين، فلكل رأيه وهذا من سعة الشريعة ورحمة الله بالعباد، وذلك أن الله أراد بهذا الاختلاف التوسيع على عباده، فإذا ضاق الأمر بهم في قول عالم في زمن من الأزمان أخذوا بقول آخر، ولو أراد الله أن تكون نصوص الكتاب والسنة لا تحتمل إلا وجها واحداً لا اختلاف فيه ما أعجزه ذلك، ولكنه أراد من ذلك الخلاف حكماً يعلمها سبحانه، وقد ذكر الإمام ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله: أن عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد اجتمعا فجعلا يتذاكران الحديث فجعل عمر يجيء بالشيء مخالفاً فيه القاسم، وجعل ذلك يشق على القاسم حتى تبين فيه فقال له عمر: لا تفعل، فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم. انتهى.

واستشار الرشيد مالكاً أن يحمل الناس على موطئه في مثل هذه المسائل فمنعه من ذلك، وقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم.

وصنف رجل كتاباً في الاختلاف فقال أحمد: لا تسمه كتاب الاختلاف، ولكن سمه كتاب السعة، ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة... لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالاً، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة، وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه.

ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره، إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها.

ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه. انتهى.

وعليه، فلا حرج على من أخذ بأحد الرأيين مع احترام رأي الآخرين وعدم الجزم بصواب رأيه، وتخطئة الآخرين، وأن تشرح هذه المسألة للمسلمين بشكل واضح حتى لا يختلفوا بسببها اختلافاً مذموماً يؤدي إلى النفرة والتقاطع ونحو ذلك.

 

والله تعالى أعلم.