الشيخ الطبيب محمد خير الشعال
الخميس 18 أيلول 2014
 
دروس المساجد في دمشق
أخطاء شائعة أنس بن مالك - المالكي خطبة الجمعة
صفة الصفوة أنس بن مالك - المالكي بعد خطبة الجمعة
مشعرات إيمانية الحكيم - ابن النفيس الأحد بين المغرب والعشاء
جزء قد سمع أنس بن مالك - المالكي الإثنين بين المغرب والعشاء
سنن الترمذي دك الباب - جانب وزارة المالية الأربعاء بعد الظهر

خطبة الجمعة 13/09/2014م بعنوان - التقاعد، بمعنى القعود عن العمل - من سلسلة أخطاء شائعة

وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت جيدة mp3 3.41 MB 29:46 mp3 mp3
صوت عالية mp3 27.19 MB 29:42 mp3 mp3
مستند عالية doc 71.5 KB - doc
فيديو عالية wmv 71.14 MB - wmv wmv

التقاعدُ، بمعنى القعود عن العمل

- بلغ عدد الذين جاوزوا الستين عاماً في عام 1995 (380) مليوناً، وفي عام الألفين (590) مليوناً. وتذهب تخمينات الأمم المتحدة إلى أن عددهم في العالم سوف يتجاوز حد المليار ومئة مليون حتى عام 2025.

والجديرُ بالذكر أن التقاعدَ -بمعنى تقديم راتبٍ تقاعديٍّ وخدماتٍ اجتماعيةٍ لكبير السن تقديراً لعمله الطويل- أمرٌ محمودٌ ومشكورٌ، أما التقاعدُ بمعنى القعود عن العمل والخلود إلى اللهو والفراغ، فهو خطأٌ شائعٌ لا يرضاه الإسلامُ ولا العقلُ الصحيح.

كيف، والإسلام يعتبرُ العملَ قيمةً عاليةً ويدعو أتباعه ألَّا يتوقفوا عن العطاء مادام في المرء عِرْقٌ ينبِض؟ {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105] «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ وَفِى يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا» [أحمد].

إنَّ الفهمَ الصحيح لتعاليم الإسلام، والتربية العالية للمسلم أنتجت المئاتِ والألوفَ من كبار السنِّ الذين دانَ لهم العالمُ الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه بالفضل والامتنان.

- فالحافظُ الإمام أبو القاسم البَغَويُّ: حافظٌ للحديث، كان محدِّثَ العراق في عصره، طالَ عمرُهُ واحتاج الناس اليه. ماتَ وقد استكملَ مائةً وثلاث سنين وشهراً واحداً. كان طلابُ العلم يسمَعون عليه حتى مات -رحمه الله-.

-والصحابيُّ الجليلُ أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه لم يتخلف عن غزاةٍ للمسلمين إلا وهو في أخرى، ولزمَ الجهاد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن توُفِّيَ في غزوةٍ بالقسطنطينية، سنة 52ه وسنه يقارب الثمانين.

وهكذا برز المئاتُ والمئات من كبار السن في عالم المسلمين، الأمرُ الذي حدا أبا حاتم السجستاني (ت: 248 ه) أن يصنّف كتاباً في تراجم المعمَّرين من العلماء والفضلاء والدعاة، سماه (المعمرون والوصايا).

أثبتَتِ الدراساتُ الطبية والاجتماعية أنَّ المتقاعدين الذين يعملون بعد التقاعد أكثرُ توافقاً ورضاً عن الحياة من المتقاعدين الذين لا يعملون، وأقلُ شعوراً بالاكتئاب النفسي. وأحبُّ أن أنقل إليكم بعضَ التجارب العالمية الناجحة في الاستفادة من خبراتِ كبار السن والمتقاعدين.

-في ألمانيا أُنشِئَتْ هيئةٌ اسمها (هيئة الخبراء المسنين) مقرُّها مدينةُ بون، تضم أكثر من خمسة آلاف خبير ألماني من المتقاعدين، وقد زار عددٌ من هؤلاء الخبراء معظمَ البلدان الناميةِ لتقديم خبراتهم واستشاراتهم لها في جميع القطاعات وبالمجان.

-جامعةُ المتقاعدين أُنشِئَت عام 1969 في مدينة كاكوجاد باليابان، وأولُ شروطِ الانتساب أن يكون الشخصُ قد تجاوز سنَّ الستين عاماً، ومدةُ الدراسة فيها أربع سنوات، يتضمَّنُ منهاجُها ثقافةً علميةً، وبرامج عملية، وزياراتٍ للمعالم الأثرية.

هذه أمثلة من العمل الجماعي للمسنين، أما عن العمل الفردي فيمكن للمتقاعد أن يلتحقَ ببعض الأعمال التطوعية في واحدة من الجمعيات أو المؤسسات أو المساجد المتفقة مع اختصاصه، كما بإمكانه أن يُعين الشباب الجدُدَ بخبراته التجارية أو الصناعية أو التربوية أو الحياتية؛ ليبقيها فيهم صدقةً جاريةً وعلماً ينتفع به. ولا ينسَ مُسِنٌّ فينا أن يأخذ حظَّهُ من القرآن وأوراد الذكر، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قيام الليل، وصيام النهار، والدعاء.

يا أيها الكبار.. يا أيها المسنون.. يا أيها المتقاعدون: اعلموا أنكم بركتنا ففي الحديث: «البركة مع أكابركم» [ابن حبان والطبراني والحاكم]، وأنتم يا أيها الشباب: اذكروا قول رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ» [الترمذي]، فإذا كان الكبير أباً أو أمَّاً فهو بابُكم إلى الجنة. وحسبكم في الدعوة إلى إكرام كبار السن بيننا قول رَسُولِنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ تعالى إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ» [أبو داود]

التقاعدُ بمعنى القعود عن العمل خطأٌ، والصوابُ أن يعمل أحدُنا الخير مادام قادراً عليه.

والحمد لله رب العالمين