الشيخ الطبيب محمد خير الشعال
الأربعاء 03 أيلول 2014
 
دروس المساجد في دمشق
أخطاء شائعة أنس بن مالك - المالكي خطبة الجمعة
صفة الصفوة أنس بن مالك - المالكي بعد خطبة الجمعة
مشعرات إيمانية الحكيم - ابن النفيس الأحد بين المغرب والعشاء
جزء قد سمع أنس بن مالك - المالكي الإثنين بين المغرب والعشاء
سنن الترمذي دك الباب - جانب وزارة المالية الأربعاء بعد الظهر

خطبة الجمعة 31/08/2014م بعنوان - الاستدانة في غير محلها - من سلسلة أخطاء شائعة

وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت جيدة mp3 4.35 MB 38:00 mp3 mp3
صوت عالية mp3 34.7 MB 37:53 mp3 mp3
مستند عالية doc 70 KB - doc

الاستدانةُ في غير محِلِّها

تعلمون بأن الإسلام رغَّب أتباعَه بعدم الاستقراض، ونفَّرهم من الاستدانة، خصوصاً لمن لا يحسنُ السدادَ والأداء، أو لمن اقترضَ في مجال الاستهلاك، كأنْ يقترضَ مَن يغلِبُ على ظنِّه عدمُ القدرة على السداد؛ لخيانةٍ أو سوءِ إدارة.

أو يقترض المرءُ لتبديلِ سيارته، أو لشراء هاتفٍ محمولٍ غالٍ!! أو تقترض امرأةٌ من أختها لشراء ثوب لحفلة عرس...

ويظهر هذا التنفير من الدَّين واضحاً في الأدلة التي تشدّدُ على الدَّين، وتضيِّق مسالكه؛ كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُغفَرُ للشهيد كلُّ ذنبٍ إلا الدَّين» [رواه مسلم].

وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟»، قَالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، «فَصَلَّى عَلَيْهِ» [رواه البخاري].

وصحيحٌ أنَّ الأصل في الاستقراض الإباحةُ؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أقرضَ واقترضَ، ولكنَّ العلماءَ اتفقوا على أنَّ مَن علِم عجزَه عن السَّداد، ولم يكن مضطراً حرُم عليه الاقتراض، وإذا شكَّ بقدرته على السداد كُرِه الدَّيْن له.

أمَّا إذا كان الرجلُ مضطراً، ويعلمُ من نفسه السَّداد فيجب عليه الاستقراض.

ثمَّ إنَّ الدين يعكِّرُ صفوَ الحياة، ويترك المرء مهموماً مغموماً. والأصل فيه أن يكون في الضروريات أو الحاجيات، وليس من الصواب أن يكون لأجل الكماليات، ومنهجُ النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا أَشْتَرِي مَا لَيْسَ عِنْدِي ثَمَنُهُ» [الحاكم، ووافقه الذهبي].

والواجبُ أن تتوازنَ شهواتُنا مع إمكاناتنا المادية، ولئن زادتْ رغبتُك في الدين فعليك بالتسويفِ والتأجيل إلى الأسبوع القادم، ثمَّ إلى الذي بعده، وستكتشف أنَّ قطارَ الحياة يسيرُ رغمَ أنَّك لم تَستَدِن.

هذه هي المبادئ العامة للاقتراض في الشريعة وعند ذوي الألباب، ولكنَّنا نُفاجأُ في سوقنا التجاري بالديون التي تُثقِلُ كاهلَ الكثيرين، حتى صار فينا مَن يعتقدُ أنَّ مَن لا يقترض لا يستطيع أن يُتاجر، وأنَّ مَن لا يُقرِضُ لا يستطيع البقاء في السوق.

ترى الرجلَ يملك مليوناً ويتاجرُ بثلاثة ملايين، وقد كان كبارُ تجارنا يملكون الثلاثةَ ويتاجرون بالواحد، يُبقون الاثنين لحفظ ماء الوجه إذا خسرتِ الصفقةُ أن يراقَ على الأرض، فكانت كلمتُهم كلمةً وسمعتُهم سمعة.

ترى الشاب يريدُ فتحَ محله الجديد، يضع فيه من الديكورات ثلاثةَ أضعاف ما يملك؛ ليُبهِر الداخلين بالمنظر؛ فيدخل نفسَه في نفقِ الدين المظلم قبل أن يبدأ بالعمل، حتى إذا بدأَ العملَ ولم يأتِهِ الزبائنُ مسرعين كعادةِ أيِّ محلٍّ جديدٍ أَغلَقَ محلَّهُ بعد سنةٍ، وتركَ البلدَ وسافرَ تاركاً ديونَه وراء ظهره. وقد كانت أكبرُ متاجرنا فيها البساطةُ في البناء والطين والفخامةُ في العقل والدين.

الاستدانةُ في غير محِلِّها خطأٌ، والصوابُ أن يجيبَ المرءُ على ستة أسئلةٍ قبل الدخول في دائرة الدين:

هل الشيءُ الذي سأقترض لأجله ضروريٌّ؟ هل وقتُ الاقتراض الآن مناسبٌ؟ ما القراراتُ التي ستُتَّخذ بشأن نفقاتي بعد الاقتراض؟ كيف سأسدِّدُ الدين؟ ما الخطةُ البديلة للسداد إن لم تنجحِ الطريقةُ الأولى؟ كم سيستغرق سداد الدَّين؟.

فإن لم تُجِب على هذهِ الستةِ إجاباتٍ واضحةً، فلا تقترضْ، ودعْ أموالَ الناس منك في سلامةٍ، وأرحْ نفسكَ من أن يقرعَ بابَك الدائنون. نسأل الله تعالى أن يعينَنا على تصحيحِ أقوالنا وأفعالنا حتى يُعجِّلَ لنا بالفرج.

والحمد لله رب العالمين