الشيخ الطبيب محمد خير الشعال
السبت 25 تشرين أول 2014
 
دروس المساجد في دمشق
أخطاء شائعة أنس بن مالك - المالكي خطبة الجمعة
صفة الصفوة أنس بن مالك - المالكي بعد خطبة الجمعة
مشعرات إيمانية الحكيم - ابن النفيس الأحد بين المغرب والعشاء
جزء قد سمع أنس بن مالك - المالكي الإثنين بين المغرب والعشاء
سنن الترمذي دك الباب - جانب وزارة المالية الأربعاء بعد الظهر

خطبة الجمعة 25/10/2014م بعنوان - درس من الهجرة - من سلسلة خطب الجمعة الأسبوعية

وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 27.89 MB 30:27 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 3.48 MB 30:26 mp3 mp3
مستند عالية doc 93 KB - doc
فيديو عالية wmv 72.39 MB - wmv wmv

درسٌ من الهجرة

قال تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 100].

عن عَبْد اللَّهِ بْن حُبْشي: أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمانٌ لا شكَّ فيه، وجهادٌ لا غلولَ فيه، وحجٌّ مبرور»، قيل: فأي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت»، قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال: «جهدُ المُقِل»، قيل: فأي الهجرة أفضل قال: «مَن هجر ما حرَّم اللَّه عليه» [أحمد].

أجمع المسلمون على عظيم حدث الهجرة في التاريخ الإسلامي فجعلوه مرجع تاريخهم.

كان سيدُنا عمر –رضي الله عنه- يكتب في خلافته للولاة الكتب، يقول فيها: حصل هذا في شعبان، حصلَ هذا في رمضان، حصل هذا في شوال؛ فتكتبُ الولاةُ لعمر: إننا لا نفهم منك، أيَّ شوالٍ تقصدُ؟ أيَّ شعبان؟ فلو جعلْتَ لنا شيئاً نفيءُ إليه نؤرخ. فاجتمع رضي الله عنه مع الصحابة وأهل الرأي والمشورة، ورأوا أن يختاروا حدثاً يؤرِّخون به من ثلاثة أمور: مولدُ النبي صلى الله عليه وسلم، وهجرتُه، ووفاته، فأعرضوا عن المولد والوفاة واختاروا الهجرة. رأوها يوماً فرَّق اللهُ به بين الحق والباطل، وأقام بعده دولةَ الإسلام. ثم أجمعَ على اختيارهم المسلمون.

بل إنَّ العلماءَ جعلوا مِن حَدَثِ الهجرة معياراً لقسمة القرآن إلى مكيٍّ ومدني، فأنتم تعلمون أنَّ سورَ القرآن نوعان: (مكيةٌ ومدنية) والقول المعتمدُ في معنى المكيِّ هو ما نزل قبل الهجرة، وفي معنى المدني ما نزل بعدها.

وفي هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام دروسٌ كثيرةٌ -أيها الإخوة- سأعرضُ في خطبة اليوم لدرسٍ واحدٍ منها عنوانه: (المؤمنُ مبتلىً وعليه أن ينجو أولَ ما ينجو بدينه).

فها هو صلى الله عليه وسلم أقربُ الخلق إلى الله، وأحظاهم عنده، يُبتلَى بإخراجِه من بلدهِ التي أحبَّ ودارِه التي أَلِفَ، وأهلِه وناسِه وعشيرته. ففي مكة البلد الأمين، قضى صلى الله عليه وسلم طفولتَه وصباه، وشبابَه وكهولتَه وشطراً كبيراً من شيخوخته، وله فيه ذكرياتٌ عزيزةٌ، إنه يتذكَّرُ كلَّ هذا فيجدُ نفسَه مشدوداً إلى مكة برباطٍ وثيقٍ، ويذكرُ حُبَّ قومه له وإعجابهم به، وتسميتهم له بالصادق الأمين فترتاحُ نفسه، ويطمئنُّ قلبُه. ويتذكر صلى الله عليه وسلم كلمةَ ورقة بن نوفل: (ليتني أكونُ حياً إذ يخرجُك قومُك) ويتذكر سؤالَه له: «أوَمخرجيَّ هم؟» وهو أقرب إلى الاستنكار منه إلى الاستفهام، ويجيبُ ورقة إجابةَ الواثق المتأكد: (نعم، لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثل ما جئتَ به إلا عُوْديَ، وإنْ يدركني يومُك أنصركَ نصراً مؤزَّرا.

ويلتفتُ النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة يوم إخراجه منها قائلاً: «عَلِمْتُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ الْأَرْضِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» [أحمد]

ومع كلِّ هذا يعلمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ المومنَ مبتلىً، وعليه أن ينجوَ أولَ ما ينجو بدينه.

ما نزل بلاءٌ بعبدٍ مؤمنٍ إلا وذكر أنَّ الابتلاء سنة الله في أرضه، وأن الله جاعلٌ من بعدِ الضيقِ الفرجَ، ومِن بعد العُسر يُسراً.

وما نزل بلاءٌ بعبدٍ مؤمنٍ إلا اجتهد أن يَلزم التقوى في عُسره كما التزمها في يسره، وتذكر قوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90]. وما نزلَ بلاءٌ بعبدٍ مؤمنٍ إلا واسى نفسَه برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.

نسأل الله تعالى أن يُعجِّلَ لنا بالفرج وأن يجعله محفوفاً بلطفه.

والحمد لله رب العالمين