الشيخ الطبيب محمد خير الشعال
الأحد 23 تشرين ثاني 2014
 
دروس المساجد في دمشق
متفرقات أنس بن مالك - المالكي خطبة الجمعة
صفة الصفوة أنس بن مالك - المالكي بعد خطبة الجمعة
سيدنا محمد رسول الله الحكيم - ابن النفيس الأحد بعد العشاء
جزء قد سمع أنس بن مالك - المالكي الإثنين بعد العشاء
سنن الترمذي دك الباب - جانب وزارة المالية الأربعاء بعد الظهر

خطبة الجمعة 22/11/2014م بعنوان - بين الحق والواجب - من سلسلة خطب الجمعة الأسبوعية

وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 22.92 MB 25:02 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 2.87 MB 25:01 mp3 mp3
مستند عالية doc 67.5 KB - doc
فيديو عالية wmv 60.23 MB - wmv wmv

بينَ الحَقِّ والوَاجِب

قال تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42]

عن عَبْدَ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ» [البخاري].

سبق في الأسبوع الماضي حديثٌ عنوانُه (لصاحب الحق مقالٌ) وخلصنا من الخطبة أنَّ صاحبَ الحق مطلوبٌ إليه أن يبحثَ عن حقِّه بضوابطَ خمسة: أن يكون حقاً، وأن يبين عنه، وأن يحمل معه الدليل، وأن يطلبَه بحكمة، وألَّا يملَّ من المطالبة به.

وصحيحٌ أنَّ لصاحبِ الحق مقالاً، ولكن على صاحب الحق واجبٌ أيضاً. فالعلاقةُ بين الحق والواجب علاقةُ تلازمٍ، وما هو واجبٌ عليك هو حقٌّ لآخر، وما هو حقٌّ لك هو واجبٌ على ذلك الآخر؛ بل إنَّ الحق يولِّدُ واجباً.

عندما تطالبُ زوجةٌ بحقها على زوجها بالاحترام والنفقة، ويطالبُ أبٌ بحقه على ولده بالبر والصلة، ويطالب شابٌّ بحقه على المجتمع بالعون والدعم... نقول لكل هؤلاء: إنَّ مطالبتَكم بالحق مشروعةٌ معقولةٌ، ولكنَّ الشرعَ والعقل والفطرة تطالبكم بواجبِ طاعة الزوجة زوجها والتودد إليه، وبواجب عونِ الأب ولدَه على برِّه بإحسانِ نشأته والسهر عليه، وبواجب الشاب بالجد والاجتهاد وخدمة المجتمع والحفاظ عليه. فلو اشتغل الناس بأداء الواجبات لاستراحوا كثيراً من المطالبة بالحقوق.

يقول أحد المفكرين:

(وإنَّ النكسةَ كبيرةٌ جداً في نقل اهتمام الناس للمطالبة بالحقوق بدل شغلهم بأداء الواجبات؛ لأنَّ الذي يشتغل بطلب الحق يستريح، والذي يشتغل بأداء الواجب في نَصَب لا يستريح، وحين نؤدي الواجبات نضمن وصول الحق لصاحبه).

الخطيب البغدادي أحدُ الحفاظ المؤرخين المقدَّمين.كان عارفاً بالأدب ولوعاً بالتأليف، عرَّفَ الخطيبُ البغداديُّ الْعَدْلَ فقال: (هُوَ مَنْ عُرِفَ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَلُزُومِ مَا أُمِرَ بِهِ, وَتَوَقِّي مَا نُهِيَ عَنْهُ, وَتَجَنُّبِ الْفَوَاحِشِ الْمُسْقِطَةِ, وَتَحَرِّي الْحَقِّ وَالْوَاجِبِ فِي أَفْعَالِهِ وَمُعَامَلَتِهِ, وَالتَّوَقِّي فِي لَفْظِهِ مَا يَثْلِمُ الدِّينَ وَالْمُرُوءَةَ, فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَهُ فَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِأَنَّهُ عَدْلٌ فِي دِينِهِ).

والشاهد أنَّ المرءَ لا يكون عدلاً حتى يتحرى الحق والواجب في أفعاله ومعاملاته، فمن أعطى الحقَّ من نفسه كان عدلاً، ومن اعتدى على حقوق الناس فقد أضر بعدالته. وعندما يلتزم كلٌّ منا بواجبه، ويبحث كلٌّ منا عن مسؤوليته في بذل ما عليه، تصلُ الحقوق إلى أصحابها وتتوازن الحقوق والواجبات.

إنَّ الإسلامَ يربي أتباعَه على البحث عن واجباتهم ليلتزموها، ويخاطبُ كلاً منهم ويجعلُه مسؤولاً، ويسميه (المكلَّف) بمعنى أنه المتحمل للمسؤولية، ويطالبُه أن يتعلم واجباته في البيع والشراء والأخذ والعطاء؛ ليعلمَها ويعملَ بها ويعطي الحق من نفسه.

قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لَا يُعَدُّ الرَّجُلُ عَاقِلًا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ ثَلَاثًا: إعْطَاءَ الْحَقِّ مِنْ نَفْسِهِ فِي حَالِ الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَنْ يَرْضَى لِلنَّاسِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ، وَأَنْ لَا يُرَى لَهُ زَلَّةٌ عِنْدَ صَحْوٍ.

فالقاعدةُ الرئيسةُ في الإسلام الواجباتُ، بينما القاعدةُ الرئيسةُ في القوانين الوضعية الحقوقُ.

ما استطاع المرءُ فينا أن يؤدي الذي عليه فليفعلْ، فإنَّ الخيرَ كلَّ الخير في فعل المأموراتِ وتركِ المنهيات التي أمرَ اللهُ تعالى بها ونهى عنا. روى أبو نعيم في الحلية عَنْ عَلِيٍ، قَالَ: أَشَدُّ الْأَعْمَالِ ثَلَاثَةٌ: (إِعْطَاءُ الْحَقِّ مِنْ نَفْسِكَ، وَذِكْرُ اللهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمُوَاسَاةُ الْأَخِ فِي الْمَالِ).

والحمد لله رب العالمين